الثلاثاء, يوليو 25, 2017
ar

وقتك حياتك

وقتك حياتك

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد الخطبة المسنونة !
عن ابن عباس رضي الله عنه ما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ “(صحيح البخاري، أول كتاب الرقاق، رقم :6412)
إخوتي وأحبّتي !
من دأب المحدّثين أنهّم يوردون في مؤلّفاتهم كتابَ الرقاق، يودعونه أحاديث تلعب دورها في ترقيق القلب وتليينه، وحثه علي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. ولمكانة هذا القسم من الأحاديث أفردها بعض المشائخ الجِلة بالتصنيف. ومن هذا نرى المكتبة الإسلامية تعتز ب ’’ كتاب الزهد والرقاق ‘‘ لابن المبارك، و’’كتاب الزهد ‘‘ لكل من الإمامين الجليلين أحمد بن حنبل ووكيع بن الجراح ـ رحمهم الله جميعا ـ.
وبعض الأحاديث الواردة في الباب موجزة لفظا، مسهبة معنى، تجمع لمعاني جمة لو عني بها المرء عناية لكفته لقلبه تزكية ولنفسه إصلاحا، ولقد قرأت بين سادتكم آنفا منها حديثا بدأ به الإمام البخاري كتاب الرقاق من صحيحه. وبما أن مداركه لطيفة وصنائعه بديعة للغاية، لا يورد في كتابه حديثا إلا وله فيه نكات عجيبة، كأنه يتبع فيها مشروعا مخططا يفيد المرء بموقع الأحاديث في صحيحه قبل أن يقرأ نصه ويجول فيه فكره. ومن هذا بدأ كتاب الرقاق بهذا الحديث إشارة إلى أنه أصل وأساس للأحاديث التي وردت في الموضوع.
سماحة والدي رحمه الله وعنايته بهذا الحديث:
وكان والدي رحمه الله يكثر التذكير بهذا الحديث في مجالسه ومواعظه، حتى أنه لما سافر إلى الهند لأول مرة بعد الهجرة إلى الباكستان، وزار الجامعة دار العلوم بديوبند: ألحّ عليه أساتيذها وطلابها أن يعِظهم ويوجِّههم، فألقى خطبة واستهلها بقوله :” لعلكم تتربصون مني أن آتيكم بأبحاث أونكات علمية بديعة أو أوضح بين يديكم مسألة معضلة، ولكني بدل أن أقترف هذا الإثم العلمي الذي كثيرا ما كنت أقترفه في ساحة دار العلوم أستأثر أن أتحدث عن موضوع جاف ولكن هام للغاية”.
ثم قرأ هذا الحديث وشرحه شرحا وافيا.
نعمتا الصّحّة والفراغ:
لله على كل عبد نعم لا تعدّ ولا تحصَى، وكلُّ نعمةٍ تتطلّب وتقتضي من الإنسان ثلٰثة أمور:
۱ـ أن يقدرها حق القدر
۲. أن يشكر عليها الله
۳. أن يستعملها استعمالا حسنا يوائم معها
فنعمتا الصحة والفراغ أيضا تقتضيان أن يستعملهما المرء استعمالا حسنا في طاعة الله وعبادته، وفيما يحبه ويرضاہ. ولكن الإنسان يغرہ أن الصحة تدوم والفراغ لا يزال، فيبذلهما إما سدى غافلا وإما في غير صالح لاهيا، ويغفل ناحية العبادة والطاعة حتى يعتريه مرض يضنيه من أن يقوم بالعبادة، أويداهمه شغل يبدد فراغه فلا يجد لها ولو ثانية، وربما يدوم إلى الموت فيندم ولات حين مندم !
إياك والتسويف :
التسويف طريق يسلكها الشيطان ليغوي بها المؤمن، فإنه لما عرف أنه لن يمتثله في إغوائه برفض الدين بتاتا أوترك الصلاة والصوم اختار هذا الطريق السهل، حيث إنه حين يخطر بقلب المؤمن خاطر العمل يأتيه ليلعب دورہ في التسويف، فيصرفه عنه بتعليل أن اليوم أشغال كذا وكذا، فابدأہ من الغد، ثم في الغد يريه أعذارا أخرى، هكذا يسوِّفه إلى الغد الذي لا يأتيه قط.
الحسنات ولكن !
المرء يهمُّه أن ترجح كفة حسناته يوم الحساب، لذا فيرى أن من حق محبة الله عليه: الإكثار من الصلاة والصدقة النافلتين، كما أنه يرى أن الفرائض قلما تستتبّ إلّا إذا صحبتها النوافلُ. يتفكّر في هذا وذاك، فيجد في نفسه حافزاً على النفل والذكر والتسبيح وحتى على قيام اليل والتهجد، ولكنه ما يلبث أن يفعل حتى يأتيه الشيطان، فيحرمه من ذلك كله إما تسويفا وتأجيلا أو تبريرا وتعليلا، حتى تفوته الصحة والفراغ، فلا يستطيع شيئا رغم أنه يريد أشياء !
فالحديث يأمرنا أننا كلما وجدنا فرصة لعمل أومرّ بخواطرنا خيالُ العمل فعلينا به فورا من دون أي تأخير وتريُّث، لأن الله يأمرنا بالمسارعة إلى الخير قائلاً:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ،133] أي عجِّلوا إليها ولا تتأخّروا فيها، أو نافِسوا وسابِقوا فيها كما تتنافسون وتتسابقون في أمور الدنيا.
أكرم الوارد يعُد إليك
وكان مرشدي رحمه الله يقول :
” إن ما يخطر بالبال من خيال الخير يسمى “واردا” عند أهل التزكية. فلو طرق باب قلبك وارد فرحّبت به وقدرته وداريته بالعمل بمقتضاه لعاد وعاد، ودعا إلى عمل خير وآخر، وإلا فهو ضيف غيور، يرجع قهقرى فلا يعود قط، فتصبح ولا يحضر في قلبك خيال الخير والصلاح !
اترك المعاصي بتاتا:
كذلك ربما يُبتلَى المرءُ المؤمنُ بمعصية، فإيمانه يحثّه على تركها والتخلي عنها، ولكن شيطانه يسول له أن يتذوقها مرة ثم يتركها للأبد، فيأتيها مرة، ثم يأتيه الشيطان ويسوّل له المرة الأخرى، وهلم جرّا فلا تنقطع هذه المرات حتى يتوب !
فالأفضل لمن ابتُلي بمعصية أن يتركها ويتخلّى عنها من فوره ولو بالضغط الشديد على النفس، فمن خطير تغرير الشيطان الذي يستخدمه في اقتناص الأولياء أنه لا يدعهم ليتركوا المعاصيَ قطعا ورأسا، بل يزين لهم أن يقترفوها مرّةً حتّى لا تبقى لها في القلب حسرة، ويلقنهم أن لا حرج علی المرء لو أتاها مرّةً فتاب.
وكان الشيخ التهانوي رحمه الله يقول :
“إنه لتغريرٌ خطيرٌ للغاية، فإن المؤمن لإيمانه وتقواه لا يكاد يتشجّع على معصية، ولكنّه لو اقترفها مرّةً لانطفأت الجذوةُ الإيمانيّةُ الّتي كانت تحول دون المعاصي، فيظل يجترئ على أخرى وأخرى، والمعصية لا تريح المرء قط، فليس أنه إذا اقترفها مرّةً يتركها شبعاً بها أو سآمةً منها، بل من طبيعتها أنّه تجرّ إلى أخرى وأخرى. وهذا كالجَرَبِ الّذي يلحق الإنسان، فهو يدلكه ويجد فيه لذّةً، ولكن الدلك يزيده مَرَضًا وجَرَبًا.”
وإنّه لحمقٌ وسفاهةٌ أن تؤتَى المعصيةُ على ثقةِ أنّه يتوب عنه، فَمَن ضَمِنَ للمسكين أن لا تسبقه المنية قبل أن يجد فرصةً للتّوبة.
قصةٌ فيها عبرةٌ:
وكان والدي رحمه الله يشبه العاصيَ على رجاء التوبة بمن يُمكّن العقربَ من اللّدغ على ثقة رقية اللّدغ عنده. وكان يقصّ في ذلك قصّةً وقعت له خلال اشتغاله بديوبند (أي قبل أكثر من سبعين سنة منذ اليوم ) أنّه ذات ليلةٍ كان يعمل في ضوء مصباحٍ لم يكن في البيت غيره، فاحتاجت إليه والدتي لبعض شئوونها في الغرفة الأخرى، وأبدت مخاوفَها من العقارب الموجودة هناك، وكان يشقّ على والدي أن يقطع أحدٌ عليه عملَه، فقال : وما تضرّكِ عقربٌ إذا كانت عندي رقيةُ اللّدغ؟ فذهبت وكان من قدر الله أنّها ما دخلتها حتّى لدغتها عقربٌ، فبدأ والدي يرقيها ويرقيها، ولكن آثار السّم لم تكن لتزول، حتّى استخدم عليها عدة طرق كان قد أتقنها وجرّبها وأفاد بها النّاسَ غير مرّةٍ، ولكن فَشِلَت هذه المرّةَ وأصبحت بلا جَدْوَى ولا فائدة!
وكان يقول : استفدت من غضون هذه القصّة ثلٰثةَ دروسٍ هامّةٍ:
۱…لا ينبغي للمرء أن يتكلّم بكلمةٍ كبيرةٍ يترشّح منها التّعلي والغِنَى عن الله.
۲…أن الرّقية ـ مهما حُنكت وجربت ـ والدّواء بل وكلُّ شيئ يحتاج في تأثيره إلى مشيئة الله.
۳…أن القصّة تشبه عمل من يقترف معصيةً على ثقة أنه سوف يجد فرصة للتّوبة. فكما فشلت الرقية في القصة كذلك ربما يقترف المرء معصية فتفترسه المنية قبل أن يجد فرصة للتوبة، ولو وجد لها الفرصة فمن يضمن له التوفيق من الله، عسى الله يحرمه إياہ لاجترائه أيّ اجتراءٍ! ينتهك محارمَ الله ويأتي مناهيَه ـ وهو يعلم ويشعرـ لمجرّد اغتراره بأنّه يتوب فيتوب عليه الله !
عودة إلى الحديث:
وعلى كلٍّ فالوقت يمر والمرء في غفلة والنبي صلى الله عليه وسلم ينبهه ليغتنم لحظات الصحة والفراغ ويبادر بالأعمال الصالحة الّتي يدخرها للآخرة قبل أن يأتي عليه يومٌ لا يقدر عليها ويحال بينه وبينه إمّا بمرض أوموت أوغير ذلك من العلل والآفات.
وورد في حديث آخر أوضح وأصرح من هذا، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم :
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُفْنِداً، أو موتا مُجْهِزًا، أو الدّجّال، فالدّجّال شرُّ غائبٍ يُنتظر، أو السّاعة، والسّاعة أدهى وأمرّ» (الزهد لابن المبارك :1/ 3، رقم :۷)
فقراً مُنْسِياً:
في حين تمتلك الثروة وتدخر لديك المال تُمسِك عن الإنفاق في سبيل الله ووجوه الخير لمجرد تسويف أن تفعله غدا أو بعد الغد، فهل تنتظر أن يدور عليك الزمان دوره فينوبك فقرٌ ويأتيك إفلاسٌ يُنسِيك حتّى خيال الصّدقة ؟ لذا فَقَبْلَ أن يأتي هذا أويحدُث ذاك بادِر بالصدقة وعجِّل بالخير، وابتغ فيما آتاك الله الدار الأخرة، فما يأتي به الغد مجهول تماما ربما عكس المأمول!
أو غِنىً مُطغِياً:
لِانْهِماكِكَ في التّجارة واشتغالك في الوظيفة واهتمامك البالغ بوجوه الكسب لا تجد لديك فرصةً لتقوم بنافلة أوتتصدّق بدرهمٍ أو تؤدِّي عملاً من أعمال الخير، وتُحيل كلَّ ذلك على الغِنَى حيث تَأْمَلُ الرَّخاءَ والهناء والرغد والرفاهية، فما ذا تدري إن نالك الغنى أن يُطغِيَك، والرّخاء أن ينسيك الله، ويحسم عنك مادّةَ الخير والصّلاح، ويبطرك فتصبح ولا تزن للخير وزنا ولا تقدر للحسنات قدرا !
أومرضا مُفْسِداً:
تتمتع اليوم بصحّة كاملة وعافية سابغة، ولكن تتسوف غدا أو بعد الغد… فما ذا تنتظر ؟ هل مرضا يفسد عليك الصحة ويحِّول عنك العافية ويُفني فيك كل قدرة ؟!
أوهرما مُفْنِداً:
تتنعّم اليوم بالشّباب المتدفّق قُوّةً والنّابغ صحّةً، ولكن الشّيطان يسوّل لك أنّ الشباب للتّمتُّع والتّهتُّر. وللتّوبة والصلاة وملازمة المسجد والتصدق وقت الشيبة، وربما يجعلك تلوم من أكرم شبابه بالتقوى وتعيره أنّه ضيّع فُرَصَ الشّباب! ولكن هل تفكّرتَ يوما أنّ الشّباب سرعان ما ينصرم، فيعقبه شيبةٌ لا تدع فيك سِناً ولا مِعىً (ترجمة عن مثل شعبي أردي يعبر به عن عواقب الشيبة) وتسلبك كلَّ طاقةٍ وقُدرةٍ، فلا تَبقَى لديك سوى حسراتٍ وزفراتٍ! يقول الشّيخ السعدي:
در جوانی توبہ كردن شيوہ پيغمبري است
وقت پيری گرگ ظالم می شود پرہيزگار
الذئب الغاشم أيضا يتوب في الشيبة، أمّا توبة الشباب فشيمة الأنبياء!
أي الذّئب الظّلومُ يشيبُ فيُمسِك عن قنص الشّاة، لما أنّ الشّيبة قد أنهكته فلا يجد في نفسه قدرةً على التّحرّك فضلا عن اقتناص!
فليس في توبة الشيبة أيُّ كمال لصاحبها، نعم ! الشّاب الذي يسلك مسلك التّقى، ويمسك عن الذّنوب رغم الغزائر المتدفّقة إنّما يتأسّى بأسوة الأنبياء. انظروا! سيّدنا يوسف عليه السلام، شباب متدفّق وجمال خلاب، تهمّ به سيّدة ذاتُ حَسَبٍ، فيهمّ بها ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: 24] ولكن سرعان ما ينتبه، فَيَرْعَوِي عن المعصية خشيةً لله واستحضاراً لعظمته لا عجزا وضعفا.
أو موتا مُجْهِزاً:
أو تنتظرون موتاً يُجهِزكم، ويُفنِي قصّتكم، ويبيد ذكركم، ويقطع أثركم!
أو الدّجّال فشرّ غائب:
كيف تعمل أيّامَ أدهى كارثةٍ يُواجِهها البشريّةُ، وفتنة تنسيك كلَّ شيئٍ؟!
فالحاصل: أنّه ليس هناك ما يُنتظر لمحاولة إصلاحِ النّفس والتّخطِّي نحو الحسنات، والتَّوقِّي من السّيِّئات، والتّحلِّي بالتَّقوَى.لا هذا ولا ذاك، فأَقْدِمْ وأَقْبِلْ وبَادِرْ وعَجِّلْ!
وأنّ لحظات الحياة غاليةٌ ثمينةٌ للغاية، فعليك أن تستغلَّها بغاية حزمٍ ودقّةٍ، وتصرفها فيما يحبه الله ويرضاه، وأن تكون لديك همّةٌ عاليةٌ تُقاوِم بها الشّيطانَ ومُغوِياته، وعزيمةٌ صادقةٌ تُكافِح بها الهوى ومُغرِياته، ولا تفتر همّتُك فتكون من عَبَدَةِ الهوى الّذين يذهبون في اتّباعها كلَّ مذهبٍ، ويسلكون في إرضائها كلَّ مسلك. فيا لها من تعاسة حياة يهدف صاحبُها إرضاءَ الهوى فحسبُ! ومع ذلك كلِّه تسأل الله التّوفيق لتقدر للحياة قدرَها، فتعتني ببذلها في أعمالٍ تبقىَ إلى ما بعد الحياة.

ثلاث محاضرات تربوية ألقاها سماحة
الشيخ المفتى محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى ورعاه،
حول عظم الوقت وقيمته وأهميته في حياة المسلم،
وطرق استغلاله في صالح مُجدٍ،
وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة تجاهه،
الفاشية في الأوساط الملتزمة بصفة خاصة وغيرها عامة.
قام بتلخيصها بالعربية الأخ الفاضل كليم الله،
خريج درجة التخصص فى الإفتاء من جامعة دار العلوم كراتشي.

شاهد أيضاً

التّجديد فى الشّريعة الإسلاميّة

التّجديد فى الشّريعة الإسلاميّة بسم الله الرحمن الرحيم “التّجدید” فی نفسه عاطفة محمودةورغبة بشریّة طبیعیّة،ولوانعدمت ...