الاتفاق الإبراهيمي: الحائق الخفيّة وتداعياتُها
بقلم: سماحة الشيخ المفتي محمّد تقيّ العثمانيّ حفظه الله تعالى
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أمّا بعد،
يروّج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مدار هذه الأيّام بكلّ معاني الحماس لاتفاق يُعرَف باسم الاتفاق الإبراهيمي (Abrahamic Accords). وكان المقصود الأصلي من وراء هذا الاتفاق أنّ المسلمين واليهود والنصارى، بحكم كونهم جميعًا يعدّون سيّدنا نبيَّ الله إبراهيم عليه السلام إمامًا لهم وقدوة، فإنّه ينبغي أن يسود بينهم نوعٌ من التعاون والتآزر. غير أنّ هذه التسمية باتت اليوم منصبّة على نقطة واحدة: أن تُقْدِم الحكومات الإسلامية والعربية على الاعتراف بإسرائيل، وإقامة علاقات طبيعية معها، وأن تُسهم في دعمِ الكتلة الأمريكية في مواجهة القوة السياسية الصاعدة في الشرق، وهي الصين، وبذلك تُوضَع هذه الحكومات في مواجهة مباشرة مع خصم أمريكا.
وبموجب هذا الاتفاق، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين أول من بادر، فلم يقتصرا على الاعتراف بإسرائيل، بل مَضَيا في إقامة علاقات ودّية معها في مجالات شتّى، شمَلت حتى تبادل المعلومات الاستخباراتية.
هذا هو المآل السياسي النهائي لما يُسمّى ب الاتفاق الإبراهيمي. غير أنّ الوصول إلى هذه النتيجة لم يكن وليد لحظته، بل جرى التمهيد له منذ زمن بعيد. فقد كانت هناك منذ سنوات محاولات حثيثة على الصعيد الفكري لجعل المسلمين واليهود والنصارى أكثر قربًا بعضهم من بعض. ولو أنّ هذه المحاولات اقتصرت على غايةٍ واحدة، وهي أن يعيش أتباع الديانات الثلاث ـ حيثما اجتمعوا في مجتمع واحد ـ في أمن وسلام، وألا يُعتدى على الأنفس والأموال بدافع من الانتماء الديني، لَمَا كان في ذلك ما يُستنكَر.
غير أنّ هذه الجهود أخذت تُعطي ـ شيئًا فشيئًا ـ الانطباع بأنّ هذه الأديان الثلاثة، لانتسابها جميعًا إلى سيّدنا إبراهيم عليه السلام، ليست إلا أبناء أسرة واحدة. ومن أجل تثبيت هذا المعنى، سُعي أولًا إلى اعتماد قاعدة مفادها أنّه إذا اجتمع في دولةٍ أتباع ديانات متعددة، فإنّهم يُعَدّون «أمّةً واحدة» بمقتضى المواطنة. ثم جرى ابتداع مصطلح الأسرة الإبراهيمية لهذه الأديان الثلاثة، ليُقال إنّ المسلمين واليهود والنصارى جميعًا أعضاء في أسرة واحدة، وكلّهم من أتباع سيّدنا إبراهيم عليه السلام. وكانت النتيجة المرسومة لذلك أن لا يبقى بين هذه الأديان نزاع بين الحق والباطل، بل يُعتبر الجميع منتسبين إلى عائلة واحدة بحكم اتّباع سيّدنا إبراهيم عليه السلام، ولا موجب عندئذٍ لأن يرى أحدهم الآخر مغايرًا له من حيث الدين. والخلاصة التي أُريد ترسيخها أنّ جميع الأديان حق، وأنّ واحدًا منها ليس شرطًا للخلاص في الآخرة، وهو نفس المذهب الذي يروّج له دعاة «وحدة الأديان». وهكذا صار مصطلح الاتفاق الإبراهيمي مرادفًا لمفهوم الاعتراف بإسرائيل دولةً مشروعة، وإقامة العلاقات الطبيعية معها.
———————-
ربّما يكون الأمر في مظهره صغيرًا أو يبدو هيّنًا، غير أنّ آثاره وعواقبه تمتد بعيدًا في الزمان والمكان. [ومن جملة ذلك ما يتعلّق بإحدى الشخصيات المرموقة الموقَّرة في العالم الإسلامي، وهو سماحة الشيخ عبد الله بن محفوظ بن بيَّه ـ متّعه الله بطول العمر والعافية ـ، الذي يرجع أصله إلى موريتانيا، حيث نهل من كبار علمائها علمًا واسعًا غزيرًا، وتضلّع في الفقه حتى غدا في مصافّ كبار العلماء المعدودين في العالم الإسلامي.
وكانت صلتي به -والنابعة عن تقديري له- تعود إلى أيام عضويته في مجمع الفقه الإسلامي، حيث كنت أستفيد من عمقه العلمي، ويدور بيني وبينه أحيانًا مذاكرة علميّة ومكاتبات حول بعض المسائل الفقهية. وفي تلك المرحلة، كان الشيخ معروفًا بصفته شخصية علمية بحتة، لا تكاد تُذكر له صلة مباشرة بالسياسة العملية.
وبعد فترة من الزمن، أسس الشيخ على المستوى العالمي مؤسسةً علمية حملت اسم تعزيز السِّلم. وقد كان ذلك في وقت عمّت فيه في بلدان إسلامية عدّة حركات مسلّحة ترفع شعار تطبيق الشريعة، وكان نتيجتها سفك دماءٍ بريئة بغير حق. ومن ثَمّ، فإنّ الدعوة إلى تعزيز السِّلم في مثل هذا الجو كانت، من حيث الأصل، مبادرة محمودة. وفي هذا السياق عقد سماحة الشيخ عبد الله بن بيَّه ـ حفظه الله تعالى ـ مؤتمرات دولية كثيرة، شاركتُ في بعضها مع أخي المكرَّم، سماحة الشيخ المفتي محمد رفيع عثماني رحمه الله تعالى.
وفي إحدى تلك المؤتمرات، حاولتُ في كلمتي أن أنبّه إلى أنّ مواجهة الحركات المسلّحة التي تثير الفتن وتعمّق الفوضى لا تكفي فيها المؤتمرات وحدها. بل لا بدّ من معالجة الأمر من جانبين:
أوّلهما: إيقاف ما يقع علنًا في بعض البلدان الإسلامية من مخالفات صارخة لأحكام الشريعة، حتى لا تتخذها تلك الجماعات ذريعة لتبرير تمرّدها.
وثانيهما: إيصال الفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنّة إلى أولئك الذين انخرطوا في هذه الحركات بدافع حسن النية والغيرة على الدين، وهم في الحقيقة وقعوا في الخطأ عن جهل وسذاجة.
وعُقدت بعد ذلك مؤتمرات متعدّدة حول هذا الموضوع، ثم دُعيتُ إلى مؤتمر انعقد في مدينة مراكش بالمغرب، موضوعه: أن يحذو المسلمون حذو النبي صلى الله عليه وسلم في المعاهدة التي عقدها مع اليهود في المدينة المنوّرة، والتي عُرفت باسم ميثاق المدينة.
وعندما وصلتُ إلى المؤتمر، جاء لاستقبالي أحد ممثلي مؤسسة «تعزيز السِّلم»، فقال لي إنّ في «ميثاق المدينة» عبارةً تفيد أنّ المسلمين واليهود الذين كانوا يعيشون في المدينة يشكّلون معًا أمّة واحدة، وإنّ الهدف من هذا المؤتمر هو تعميم هذا المفهوم في البلاد الإسلامية، بحيث يُنظر إلى المسلمين وغير المسلمين من مواطني الدولة الواحدة باعتبارهم جميعًا أمّة واحدة.
أثار ذلك في نفسي ريبةً، فتدبّرت نصّ الميثاق بدقة، فرأيت أنّ الاستدلال به على كون المسلمين وغير المسلمين «أمّة واحدة» غير صحيح.
ولذا، قبل أن تبدأ جلسات المؤتمر، خلوت بالشيخ عبد الله بن بيَّه ـ حفظه الله ـ، وأخبرته بما قاله ممثل المؤسسة، وبيّنت له أنّ نص الميثاق لا يتضمّن بحال هذا المعنى. وعرضت عليه الفقرة المعنية، فوافقني الرأي قائلاً: «نعم، هذا صحيح».
لكن عندما بدأت الجلسات، ورد في بعض الكلمات القولُ بأنّ المواطنين في الدولة، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، يُشكّلون أمّة واحدة، وأنّ ذلك هو مقتضى ميثاق المدينة. فقمت بالردّ عليهم، وبيّنت ـ مستشهدًا بالآية: ﴿هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وغيرها من الآيات ـ أنّ هذه المصطلحات القرآنية خاصةٌ بأتباع الدين الواحد، ولا يصحّ إسقاطها على الدولة القومية الحديثة (National State)؛ إذ إنّ ذلك يفضي إلى خلط المفاهيم واضطراب النتائج، فالأولى العدول عن هذا الاستعمال.
وعند الجلسة الختامية التي أُعلن فيها إعلان مراكش، مرّ الشيخ عبد الله بن بيَّه بجواري وقال لي على عجل: «بعد إعادة النظر في نصّ الميثاق الذي ناقشنا، يبدو أنّ يمكن استنتاج كون الدولة القومية «أمّة واحدة» mno، ولا أرى في ذلك بأسًا كبيرًا». وكان في عجلة من أمره، فلم يتسنَّ لي أن أُكمل النقاش معه. ثم قُرئ الإعلان، ولم يُتح لأحدٍ أن يعلّق. وبعدما وصل إليّ نص الإعلان للتوقيع، وقّعت عليه مقيّدًا بما سبق أن أبديتُه من ملاحظات، إشارةً إلى اختلافي في هذه الجزئية.
ثم نظّم سماحة الشيخ مؤتمرا آخر، حيث طُرحت مصطلحات جديدة، أبرزها «الأسرة الإبراهيمية». وقد ذكرتُ سابقًا أنّ تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود في بلد واحد تحت مظلة اتفاقٍ على الأمن والسلام لا غضاضة فيه. أمّا إطلاق وصف «الأسرة الإبراهيمية»عليهم، فمعناه التسوية بينهم في نسبة الاتباع الصادق لسیدنا إبراهيم عليه السلام، بينما القرآن الكريم يصرّح بأنّ اليهود والنصارى قد انحرفوا عن دينه الحنيف، ولم يبقَ لهم به صلة حقيقية.
ومع ذلك، جُمِع قادة هذه الأديان الثلاثة في ذلك المؤتمر، وأطلق عليهم اسم «الأسرة الإبراهيمية»، بل أُنشئت لهم أماكن عبادة متجاورة.
فوجدتُ من الواجب أن أُحذّر الشيخ عبد الله بن بيَّه من المقاصد الخفية الكامنة وراء هذه المصطلحات. فلم أشكّ في صفاء نيّته، غير أنّي أيقنت أنّ بعض المحيطين به ـ ممن لا يُحسنون النظر في العواقب ـ يجرّونه إلى تبنّي هذه الألفاظ، ليُستثمر ذلك فيما بعد لتحقيق أهداف أخرى.
لذلك كتبتُ إليه رسالةً مهذبة خاصة. ولم أنشرها من قبل، لكونها رسالة شخصية، لكنّ الظروف تبدّلت. فبعد أن تحوّلت عبارة الأسرة الإبراهيمية إلى أرضية فكرية، أدرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة 2020 عددًا من الحكومات الإسلامية في الاتفاق الإبراهيمي، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين، وكان جوهر الاتفاق الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها في ميادين شتى، بصرف النظر عن قضية الاعتراف بفلسطين.
هنالك اتّضح أنّ العمل السياسي في هذا الباب استند، في بعض وجوهه، إلى الدعم الفكري الذي وفّرته تلك المؤتمرات بما أشاعته من مصطلحات مثل «الأمّة الواحدة» و«الأسرة الإبراهيمية»، لتهيئة الأذهان وتعبيد الطريق أمام هذه المآلات. ومن هنا، رأيت أنّ من المناسب نشر تلك الرسالة التي كنت قد بعثت بها إلى الشيخ عبد الله بن بيَّه حفظه الله، وإن لم يصلني منها جواب.
وها أنا ذا أقدّمها فيما يلي:
“بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على رسوله الكريم وعلى أله وأصحابه أجمعين، وعلى كلّ من تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين
سماحة العلاّمة المحقق الدّاعية الكبير الشّيخ عبدالله بن بيّة حفظه الله تعالى وأبقاه ذخرا للإسلام والمسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
إنى أشكرالله سبحانه وتعالى على ما منّ عليّ من الاستفادة بصحبتكم الكريمة والحفاوة البالغة الّتى حظيتُ بها من سماحتكم طوالَ سنين منذ لقيتكم لأوّل مرّة فى دورات مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ، ثمّ فى عدّة لقاءات وندوات ومنها مؤتمرات تعزيز السّلم الّتى شرّفتمونى بالدّعوة إليها والمشاركة فيها.
وإنّى اقدّر الجهود الّتى تبذلونها فى إقامة السِّلم وتعزيزه فى العالم الّذى مُلئ ظلماً وجَوراً، وحرباً وإرهابا، وما تتحمّلون لأجله من مشاقّ فى هذاالسّنّ الّذى يطلب من الإنسان الرّاحة والطُّمأنينة. فجزاكم الله تعالى أحسن الجزاء.
ولا شكّ أنّ إقامة السِّلم الّذى تهدفون إليه من خلال هذه الجهود مطلبٌ عظيم وهدف نبيل، ولكن هناك بعض الملاحظات التى مازالت تختلج فى قلبى من زمان، وأردتُ مراراً أن أعرضها على سماحتكم، فخشيتُ أن أكون ممن أراد أن يلقِّن لقمان الحكمة، ويُبضع تمراً إلى هجر. ولكن بدا لي الآن أن أعرضها عليكم بحسن النّيّة ثقةً بما جرّبتُه منكم دائماً من الشّفقة والكرم:
أوّلاً: أرى أنّ هذه الحروب والحركات الإرهابيّة الّتى ابتُلينا بها اليوم لا تُقنعها قراراتُ المؤتمرات والنّدوات فى حينٍ يعانى المسلمون اضطهاداً ذريعاً فى فلسطين، وكشمير، والهند، والعراق، وسوريا، وبورما، واليمن، وغيرها من شتّى بقاع الأرض. وإنّ هذه النّفقات الباهضة الّتى تُصرف اليوم فى عقد هذه المؤتمرات لو أُنفقت فى المصالحة بين المسلمين المتنافرين، ونصرة المظلومين وإغاثة الملهوفين بقطع النّظر عن دياناتهم، وفى إزالة الأسباب الّتى قامت من أجلها الحركات الإرهابيّة بإثارة العُنف فى العالم، لكان أكثر نفعاً وأجدى نتيجة.
ثانياً: لاشكّ أنّ هذه المؤتمرات والنّدوات مفيدةٌ نظريّاً وعلميّاً على الأقلّ، ولكن لو رأينا ترتيبها منذ نشأتها، فإنّها سلكت مسلك الدّفاع عن الإسلام والمسلمين تجاه الّذين يتّهونهم بالإرهاب وعدم التسامح ضدّ غير المسلمين، كأنّ المسلمين فقط هم الّذين غرسوا بذور النّفرة والعُنف بين الأسرة الإنسانيّة، وبسببهم أشعلت الحروب فى العالم، وأثيرت حركات الإرهاب، فنحن نعتذر أمام الدّيانات الأخرى أنّنا نبرّئ أنفسنا اليوم من هذه العداآت، مع أنّ الواقع أنّ المسلمين فى زمننا هذا هُم الّذين استُهدفوا للعُنف و الاضطهاد وعدم التّسامح أكثر من أمّةٍ أخرى. ولكنّ مواضيع مؤتمراتنا حتّى الآن ارتكزت على أقلّيات غير مسلمة والتّسامح معهم وإقرار حقوقهم. فهل توجد فى البلاد الإسلاميّة أقليّاتٌ غير مسلمة تعرضت للاضطهاد والإرهاب بصفةٍ عامّة مثل ماتتعرض الأقليّات المسلمة يوميّاً فى فلسطين وكشمير وبورما والهند؟ أليس إقامة السّلم فى أوساط هؤلاء المستضعفين مطلباً أهمّ؟
ثالثاً: لاشكّ أنّ التعايُش السِّلميّ فيما بين المسلمين وغيرهم أمر نحتاج أن نؤكّد عليه، ونهتمّ به، ولكن هل يجب لذلك أن نستخدم مصطلحات توهم أن فوارق العقيدة بين المسلمين وغيرهم لا تهمّ أصلاً؟ إنّنا جعلنا في ’’إعلان مرّاكش‘‘ جميع المواطنين من المسلمين وغير المسلمين ’’أمّة واحدة‘‘، ويمكن تأصيله بالمعنى اللغوي، ولكنّ معناه المصطلح المعروف هو ’’مجموعة من الناس تربطهم العقيدة‘‘ وبهذا المعنى استخدمه القرآن الكريم فى عدّة آيات كما لا يخفى على شريف علمكم:
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء92)
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون :52)
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (يونس: 19)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاؤ(النحل :93)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (هود:118و119)
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (البقرة:213)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (المائدة: 48)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (الشورى:8)
وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (الزخرف:33)
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (النساء:41)
ولذلك أصبحت كملة ’’الأمّة‘‘ اصطلاحاً للمسلمين على اختلاف بلادهم، أمّا “ميثاق المدينة” الّذى تمسّك به “إعلان مراكش”، فإنّ عبارته محتملة كما ذكرت لكم ذلك شفاهاً.
وكذلك اصطلاح “العائلة الإبراهيميّة” للمسلمين والنصارى واليهود، قد استخدمت فى عدّة مناسبات،وخاصّةً فى “حِلف الفضول الجديد”الّذى أُصدر حديثاً من مؤتمر أبو ظبي. وإنّ هذاالاصطلاح يُوهم أنّ هذه الدّياناتِ كلَّها تتّبع سيّدنا إبراهيم عليه السّلام. وظاهرٌ أنّ هذا مخالف لما جاء فى القرآن الكريم. قال تعالى:
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (البقرة:135)
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: 140)
يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (البقرة:67)
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (الممتحنة: 4)
وليس هذا مناقشةً لفظيّة فقط، فإنّ إطلاق لفظ “أمّة واحدة” و” العائلة الإبراهيميّة” بما يشمل المسلمين وغيرهم ممّا يمكن أن يؤيّد_أو على الأقلّ يستغلّه_أصحاب نظريّة “وحدة الأديان” الّتى تقول إنّ جميع الأديان مقبولة، وليس بينها اختلاف الحقّ والباطل، وإنّ النّجاة ليست منحصرةً فى الإسلام فقط.
وكذلك استخدامُ هذه المصطلحات يُؤيّد نظريّة “الدّولة القوميّة” (National State) الّتى تقول إنّ الدَّولة إنّما تقوم على أساس “القوميّة” وليس هناك مجالٌ لدولة تُقام على أساس الدّين، ولا لدولةٍ إسلاميّة بحتة، بل “العلمانيّة” هي الأساس لدولة قوميّة.
وممّا يقوّى هذا الاحتمال ما جاء في الورقة التصوّرية لمؤتمر إعلان مراكش:
’’د. إنّ السياق الحضاري المعاصر يرشح ’’صحيفة المدينة‘‘ لتقدّم للمسلمين النموذج الأصيل للمواطنة. إنّه الوضع الملائم لحالة الأقليات فى الديار الإسلامية، فالعقد الّذى ينطبق عليهم هو عقد جديد تاريخيّاً لكنّه متجذر في التجربة الإسلامية؛ تحترم فيه الخصوصية، وتتمتع فيه الأقليّة بحرية ممارسة دينها، ويتضامن الجميع فى إدارة شؤون دنياهم طبقاً لواجبات وحقوق محدّدة بالدستور العقلاني الّذى يكفل التوازن والتعايش السعيد، وسيادة حكم القانون، وتسوية الإشكالات السياسية بالعدل والإنصاف.‘‘
قد ذكر هنا ’’الدستور العقلانيّ‘‘ وذلك في سياق الدّيار الإسلاميّة. ولا أدرى هل هو مرادف ’’للدستور العلماني‘‘؟ ولماذا لا يمكن أن يتضامن الجميعُ إدارة شؤون دنياهم حسب واجبات وحقوق محددة ’’بالدستور الإسلاميّ‘‘ بدلاً من ’’الدستور العقلانيّ‘‘ أو ’’العلماني‘‘.
وأكرّر مرّةً أخرى أنّ فكرة التّعايش السِّلميّ بين أصحاب الأديان المختلفة مطلبٌ عظيم وهدف نبيل لا ينكره إلاّ مكابر، ولكن يجب أن تكون فى حدودها المعقولة، وأن لا تؤدّي إلى هدم الفروق بين الأديان، وإهمال مابينها من اختلاف فى المعتقدات بما يلتبس به الحقّ بالباطل.
وأخاف من مثل هذا التركيز على هذه التعبيرات والاصطلاحات الموهمة أن تؤدّىَ فى النّهاية إلى إقرار نظريّة “وحدة الأديان” أو “الدَّولة القوميّة” و”العلمانيّة” وأن نفرّ من المطر ونقع تحت الميزاب.
هذه ملاحظات متواضعةٌ أردتُ أن أعرضها على سماحتكم لتكون موضع العناية منكم. وأخاف أن أكون قد اجترأتُ فوق قَدرى، ولكنّ الشّفقة الّتى عهِدتُها منكم دائماً تجعلُنى أرجو العفوَ إن فرط منّى شيئٌ يُكدّر خاطركم الشّفّاف. وأدام الله تعالى علينا ظلّكم الميمون بكلّ عافية ورفاهية، ووفقكم وإيّانا لمافيه رضا الله سبحانه.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أخوكم المـُجلّ
محمد تقي العثماني
لقد لاحظتم كيف أنّهم -وبإدخال مصطلحات جديدة في تلك المؤتمرات- حاولوا إعدادَ الأرضية على المستوى العلميّ الفكريّ تمهيدًا لظهور ما سُمّي لاحقًا بـ الاتفاقات الإبراهيمية. ثم جاءت سنة 2020، وفي ظلّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خرجت تلك الاتفاقات إلى حيّز التنفيذ متجسّدةً في سلسلة من المعاهدات، تضمّنت بنودًا للتعاون التجاري والاستراتيجي بين الدول الموقّعة (بما فيها إسرائيل). ولو أن باحثًا اليوم أدخل مصطلح الاتفاقات الإبراهيمية في محرّك «غوغل» أو تصفّح صفحتها في «ويكيبيديا»، لما وجد إلا تعريفًا واحدًا مفاده: أنّ جميع الأطراف الموقّعة ملزمة بالاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.
وهكذا آل الأمر إلى أن غدت «الأسرة الإبراهيمية» المزعومة مظلّةً تمنح الاعتراف بدولة واحدة فقط هي إسرائيل؛ دولة نشأت على الخداع والغدر وسفك دماء الأبرياء. أمّا أولئك الذين كانوا من صميم هذه «الأسرة» وهم أهل فلسطين، فقد أُحيلت قضيتهم إلى التعليق المديد، مرهونة بما تقرّره إسرائيل، إن ارتضت أن تقرّر يومًا.
لقد بادرت عدّة دول عربية إلى التوقيع على هذه الاتفاقات: الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمغرب، والسودان. غير أنّ المملكة العربية السعودية وقفت موقفًا عادلًا ، معلنة أنّها لن تنضمّ ما لم تُقَم دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف (بيت المقدس).
فتأمّلوا كيف يُستعمل مصطلح «الأسرة الإبراهيمية» ذريعةً لحماية كيانٍ فاقدٍ للشرعية، كيان يفتك بأبناء فلسطين افتراس الوحش الكاسر، ويشنّ الغارات تارة على إيران، وتارة على لبنان، وأخرى على سوريا، غير عابئ بقانون دولي، ولا ملتزم بأعراف أخلاقية، ولا واقف عند حدود عهد أو ميثاق.
وفي الوقت ذاته، يرفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شعارًا خادعًا باسم «السلام»، يدعو من خلاله الدول الإسلامية إلى الالتحاق بهذا المسار، ليجعلها وقودًا لأطماع إسرائيل، ويزجّ بها في مواجهة خصم أمريكا: الصين.
محمّد تقيّ العثمانيّ
1447/01/26