ترجمة: عبدالوهّاب الدِّيروي
بسم الله الرحمن الرحيم
الصيرفة اللاربوية، شبهات وردود
(لسماحة العلّامة الفقيه محمّد تقيّ العثمانيّ)
(الحلقة الأولى)
(محاولة تعريب لما ألّفه شيخنا العلاّمة محمّد تقيّ العثماني بعنوان: “الصيرفة غير الربويّة: دراسة القضايا المرتبطة بها واستعراض الإشكاليّات الناجمة عنها” باللغة الأرديّة، وقد ردّ فيها على الشبهات التي أثارها بعض الجهات الإفتائيّة في باكستان تجاه الصيرفة غير الربويّة بأسلوب علميّ رصين. ونظراً إلى أهميّة المادّة العلمية التي تناولها الكتاب وتلبية لرغبة بعض العلماء من البلدان العربية سنختار في هذا الملفّ فصولاً مختلفة من هذا الكتاب لنقدّمها مترجمة إلى القرّاء العرب المعنيّين بالموضوع. التحرير)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان ألى يوم الدين.
موقفي من الصيرفة اللاربوية:
قبل أن أحلّل الشبهات المثارةَ حِيالَ الصيرفة الإسلامية تحليلاً علميّاً أرى أن أذكر موقفي منها، والذي ظلّ هو الآخر مظنّة سوء تفاهم بسبب النقول المجتزأة التي اقتبسوها من كتاباتي والتي ترجع إلى سياقات وفترات زمنية خاصة، ولكنها مع الأسف عُرضت مجرّدة عن سياقاتها الزمنية والمعرفية، ثمّ حمّلوها من المعاني والمفاهيم ما لم أُرِدها، واستخرجو منها من النتائج البحثية الخاطئة التي زادت الوضع ضبابيّةً تجاه موقفي وأشعرو القرّاء من خلالها أنّي كنتُ إلى الأمد القريب لا أجوّز صناعة الصيرفة اللاربوية !
وما دامتُ بصفتي كاتب تلك المقالات والكتابات قيدَ الحياة، ورهنَ اتصال، في غير مُقاطعة ولا خِصام -كان الأحرى بهم أن يراجعوني لأفسّر لهم مرادي من كتاباتي، دون أن يضطرّوا إلى تحميلها هذه النتائج المصطنعة…ويا ليت!
وعلى كل حال، فقد بات من اللازم أن أصارح بموقفي من جديد.
أوّلا: فقد شملت كتاباتي دعوة المصارف إلى تبنّي صيغتَي المضاربة والمشاركة.
ومن المعلوم في الأعمال المصرفية، أنها تشتمل على جانبَين: جانب الادخار وجانب التمویل. فهو يأخذ في الجانب الأول ودائعَ الناس، ثمّ يستثمرها في الجانب الثاني.
المصارف الربوية تمارس هذه الأعمال في كلا الجانبين على أساس الربا، حيث تأخذ الودائع بالربا، ثمـ توظـفہا وتموّل بها على أساس الربا.
وأما المصارف اللاربوية فهي تتعامل في الجانب الأول على أساس المضاربة بالكامل، (وسنناقش الإشكاليات الواردة حيالَها لاحقاً)، وأما توظيفها -في جانب التمويل- فإن المصرف يتخذ من أجلها أيَّ طريق تدخل في إطار طرق التمويل المشروعة.
وكان موقفنا -ومنذ البدء- أن المصرف مادام يتلقّى الودائع من عامٖة الناس ويوظفها لتمويل التجار والصنٓاع، فالطريقة المثالية أن يتبنٓى في هذا الجانب الثاني (جانب التمويل) إحدى صيغتي: المشاركة أو المضاربة كذلك، لأنها هي التي تتكفّل لنا بنيل الأهداف السامية التي نيطت بالاقتصاد الإسلامي، والتي تؤثر إيجابيًّا على نظام توزيع الثروة بشكل عادل في المجتمع، كما توفّر قناةً صالحة لتوصيل جزء مناسب من مداخيل هؤلاء التجار والصنّاع إلى عامة أفراد المجتمع ويكون للمصرف دور الوسيط بينهما.
وهكذا يمكن أن يُؤدي هذا إلى إحداث ثورة صالحة في نظام توزيع الثروة بما يخلو عن مساويء النظامَين: الرأسمالي والاشتراكي.
هذا ما كنت -ولم أزل- أقوله وأُردّده في شتى المناسبات ولا سيّما عندما كنت أُخاطب المصرفييّن المهنيٓين والمعنيّين بإدارتها حيث كانوا محلَّ خطاباتي وموردَ كتاباتي في هذا الشأن. وأما إذا كانت الجهة المخاطَبة هي الجهات الإشرافية والحكومية فإن صيغة خطابي تأخذ طوراً أشدَّ تأكيداً بحكم كونها هي الأقدر على تنفيذها بفضل ما تتمتـَع بها من الإمكانيات والوسائل وقدرات التنفيذ.
صحيحٌ أنّ المرابحة المؤجّلة معاملة مباحة شريطة تنفيذها وفقَ أصولها الشرعيّة الصحيحة – ولكن السبب وراءَ نقدنا للمرابحة المؤجلة -مقارنةً بالشركة والمضاربة- هو أنّها على كلّ حال عقدُ مداينة، مما يُؤدي إلى إنشاءِ التزام دينٍ في ذمّة المشتري.
على الرغم من أنَّ عقود المداينات مباحة، إلا أن الطابع العام للتعاليم الاقتصادية في الإسلام هو أن الهيكل الاقتصادي للمجتمع يجب أن يتأسّس على عقود المشاركة في الربح والخسارة أكثر بالنسبة إلى عقود المداينات. على أنّ الفرق بين المعاملات الائتمانية في النظام الرأسمالي والمعاملات الائتمانية في الإسلام كالفرق بين السماء والأرض.
المعاملات الائتمانية في الإسلام متقيٓدة بقيود إلهية تحظر بيع الدين، وبيع الشيء قبل قبضه، وتبادل العملات وغيرها، مما يحافظ على الاقتصاد من مساويء النظام الرأسمالي.
ومن ثَمَّ، كانت المؤسسات المالية اللاربويّة التي تلتزم بالشريعة هي الأقل تأثُّرًا بالأزمة المالية العالمية الحالية الهائلة، على الرغم من أنَّ صيغ التمويل المعمول بها في هذه المؤسسات اللاربويّة كانت هي عقود المداينات والتي هي أيضًا من فئة المعاملات الائتمانية، ولكن بما أنَّ هذه المعاملات الائتمانية كانت إنّما صِيغَت صياغةً متقيّدة بالأحكام الشرعية، فإنّها لم تُؤَدِّ إلى تلك المساوئ التي كشفت للعالَم هشاشةَ عمالقة الاقتصاد في أمريكا وأوروبا وأبرزت خوارَها وفراغَها من الداخل .
على كلّ حال، فإنّ تأكيدنا على اعتماد عقود الشركة والمضاربة إنّما جاء كاستراتيجية اقتصادية وليس على أساس التزام فقهي. وعليه، فإنّ هذا لا يعني على الإطلاق أنه لا يُسمح للبنوك أن تتبنّى أساليب أخرى غير الشركة والمضاربة للاستثمار في مشاريع مربحة.
عندما يصبح البنك مضاربًا للمودِعين، فإنّه يكون في متّسع من أن يمارس كلَّ أنواع المعاملات التجارية، والتي تشمل أنواع البيع مثل المرابحة، والإجارة والاستصناع وما إلى ذلك، شريطة أن يظلّ كلّ ذلك ضمن الحدود التي أباحتها الشريعة. ولم تقيّد الشريعةُ المضارب بأن يمارس عقود الشركة والمضاربة فحسب.،بل أباحت له تعاطي كلّ ما هو من قبيل التجارة.
يقول الإمام المرغينانيّ رحمه الله تعالى:
“(وإذا صحت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يبيع ويشتري ويوكل ويسافر ويبضع ويودع) لإطلاق العقد والمقصود منه الاسترباح ولا يتحصل إلا بالتجارة، فينتظم العقد صنوف التجارة وما هو من صنيع التجار، والتوكيل من صنيعهم، وكذا الإبضاع والإيداع والمسافرة؛ ألا ترى أن المودع له أن يسافر فالمضارب أولى، كيف وأن اللفظ دليل عليه لأنها مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير. وعن أبي يوسف – رحمه الله – أنه ليس له أن يسافر. وعنه وعن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إن دفع في بلده ليس له أن يسافر لأنه تعريض على الهلاك من غير ضرورة وإن دفع في غير بلده له أن يسافر إلى بلده لأنه هو المراد في الغالب، والظاهر ما ذكر في الكتاب قال (ولا يضارب إلا أن يأذن له رب المال أو يقول له اعمل برأيك) لأن الشيء لا يتضمن مثله لتساويهما في القوة فلا بد من التنصيص عليه أو التفويض المطلق إليه([1]).”
وعليه، فإنّه ليس صحيحاً أن يُستَنتَج من كتاباتي أو محاضراتي التي أكّدتُ فيها على اعتماد صيغ عقود الشركة والمضاربة وانتقدتُ فيها الاستخدامَ المفرط للمرابحة والإجارة أنّي لا أسمح للبنوك بأيّ صيغة ما عدا عقود الشركة والمضاربة.
كنت وما زلتُ أذكر نقطتين مقرونتَين ببعضهما معًا:
أ) التشجيع بل التأكيد على أن البنوك اللاربويّة يجب أن تتبنى الأساليب المثالية للتمويل على أساس عقود الشركة والمضاربة.
ب) ولكن ريثما يتم الوصول إلى هذه المرحلة المثالية، أو حيث لا يمكن تنفيذ أساليب الشراكة ولمضاربة عمليًا، فإنّه يجوز للبنوك اللاربويّة أن تتبنّى أساليب أخرى مثل المرابحة، والإجارة، والسلم، والاستصناع وما إلى ذلك، شريطةَ الالتزام الكامل بشروطها الشرعية،
ومهما يكن فإنّ هذه الأساليب على الأقلّ تفيد التخلص من حرمة الربا الصريحة والدخولَ في حدود المباح.
في الظروف الحالية، حيث قيّد العِفريت العالميّ للربا العالم بأسره وأحكَم عليه قبضتَه، فإنٓ التخلّص من هذا العفريت نعمة لا يستهان بها. وحتى إذا نظرنا إلى المسألة من منظور اقتصادي، فقد أبرزت النتائج أنها على الأقل أفضل من المعاملات الربويّة، تماماً كما بات واضحًا للعيان في ظِلِّ الأزمة الاقتصادية الحالية.
وممّا سجّله قلمي في سياق تأكيدي على الأساليب المتمثِّلة في عقود الشراكة والمضاربة أنّ: “المرابحة والإجارة هما أساليب ثانوية [للتمويل]”، وكذلك: “لا ينبغي الاكتفاء بهما، وإنّما ينبغي استخدامها فقط في المرحلة الانتقالية ” وما إلى ذلك، كما وصفتُها في بعض الأحيان بأنّها من الحِيل، بمعنى الحِيل المباحة. وكّل هذا وذاك إنّما جاء في سياق التأكيد على توجيه النظام الاقتصادي نحو نظامه المثالي، ولم تعنِ أبدًا أن الأساليب الأخرى للتمويل غير مباحة في حدّ ذاتِها؛ ولم تعنِ أيضًا أنها مباحة لفترة معينة من الزمن، وتتحوّل بعد ذلك غيرَ مباحة تلقائيًا، حيث لا يوجد في الفقه ما يتوقّت جوازُه بفترة معيّنة ثمّ يفقد جوازَه تلقائيّاً بعد تلك الفترة. وإنّ جواز أيّ معاملة أو عدمها إنّما يتوقّف على خصائصها، أو يرتبط بمبادئ الحاجة أو الضرورة، والتي لا يوجد لها حَدٌّ زمني معيَّنٌ. أمّا الفترة الانتقالية فإنّها ليست من إباحة المعاملة أو حرمتها في شئٍ، بل هي من باب الاستراتيجية التي تُتخذ من أجلها.
ولنضرب مثالاً على ذلك: بصنیع مشایخنا الذین كانوا ولم يزالو ينتقدون بمنتهى الإخلاص تدنّي الوضع التعليميّ والتربوي في مدارسنا الشرعيّة بقولهم إن مستوى التعليم يتراجع؛ وأن مستوى التربيّة يتقلّص وأنّ عمليّة التعليم أصبحت مجرد شكليات وأنّ نتاجها صار محدوداً… ولكن كلُّ هذا الانتقاد لا يعني أن هؤلاء المشايخ الأعلام اعتبروا أن النظام الحالي للمدارس غير مباح أو مخالف للشريعة.
ولنأخذ مثالاً على ذلك من باب التجارة نفسها. يجوز انتقاد التجار الذين يبيعون بأسعار باهظة باعتبار أن ممارساتهم مخالفة للمصلحة العامة، ومع ذلك، إذا كانوا يبيعون مواد مباحة، فليس معنى هذا النقد أن مشروعهم التجاري بأكمله يُعَدّ غير مباح. نعم، سيُفَضَّل التعامل معهم على هؤلاء الذين يبيعون مواد غير مباحة.
وقد انتقد العلامة الحصكفي (رحمه الله) في “الدر المختار” والعلامة الشامي (رحمه الله) في شرحه “رد المحتار” أولئك الذين يتاجرون مع الفلاحين على أساس السلم بأسعار منخفضة جدًا وأفادو أن الحكومة ينبغي أن تحدد سعرًا مناسبًا لهم([2]).
ومع ذلك، لم يفسِّر أحد هذا ليعني أن بيع السلم ذاته حرام أوغير مباح.
باختصار، توجيه النقد إلى أيّ معاملة من ناحيتها الاستراتيجيّة لا يعني بالضرورة بأنها غير مباحة من الناحية الشرعية.
وعليه، فأنا عندما وجَّهتُ هذا النوع من النقد نحو الاكتفاء بالمرابحة والإجارة وإغفال التقدم نحو عقود الشركة والمضاربة فإنَّ من الخطأ أن يُفهم من هذا أنني أعتبر الأساليب الأخرى للتمويل غير مباحة. نعم، إنّي قد اعتبرت هذه الأساليب الأخرى من المرابحة والإجارة غير مباحة عندما تمّ توظيفها واستخدامها دونما التزام بشروطها الشرعية.
([1] ): الهداية للمرغيناني مع فتح القدير (8/ 453)، دارالفكر
([2]) : قال العلامة الحصكفي رحمه الله تعالى :
قلت: وفي معروضات المفتي أبي السعود لو ادان زيد العشرة باثني عشر أو بثلاثة عشر بطريق المعاملة في زماننا بعد أن ورد الأمر السلطاني وفتوى شيخ الإسلام بأن لا تعطى العشرة بأزيد من عشرة ونصف ونبه على ذلك فلم يمتثل ماذا يلزمه؟ فأجاب يعزر ويحبس إلى أن تظهر توبته وصلاحه فيترك.( الدر المختار مع حاشية ابن عابدين:(5/ 167)).
وجاء في حاشية ابن عابدين (رد المحتار) تحته (5/ 167):
(قوله بطريق المعاملة) هو ما ذكره من شراء الشيء اليسير بثمن غال (قوله بأزيد من عشرة ونصف) وهناك فتوى أخرى بأزيد من أحد عشر ونصف وعليها العمل سائحاني ولعله لورود الأمر بها متأخرا عن الأمر الأول (قوله يعزر) لأن طاعة أمر السلطان بمباح.”