قضيّة فسلطين: مجاهدو حماس أعطت الأمة فرصة تاريخيّة
قد لاتُعوّض فهل من مجيب؟

(أدلى مفتي باكستان العلامة محمد تقي العثماني (حفظه الله تعالى ذُخراً للأمة) بتصريحاته الجريئة التاريخية في اجتماع علمائيّ جماهيري بعنوان “حرمة الأقصى وواجبات الأمّة” في العاصمة الباكستانية، وذلك في 6 ديسمبر 2023.
وكانت قاعة الجناح للمؤتمرات مكتظة بالجماهير من جميع الطبقات وبالعلماء والمشايخ الممثّلين لجميع الأطياف والأحزاب والجماعات.
وكانت لكلمته -بفضل ما تمتعت به من الصراحة والواقعية وتميزت به من الحماس الإيمانيّ والجرأة الخطابيّة- صداها الاستثنائي في وسائل التواصل الاجتماعي حيث انتشرت على أوسع نطاق وتُرجمت إلى عدّة لغاتٍ، وتناولها العلماء والكُتّاب بالثناء والتعليق والتحبيذ ووصفوها بأنّها صوت صادق صريح جريء يُترجم عن مشاعر المسلمين. وكانت كلمات جميع القادة الحضور قويّة وداعمة فجاءت كلمة سماحة المفتي العام لتكون كلمةَ الفصل ومسكَ الختام.
وفعلاً، فقد أيقظت وعيَ الأمة وشعورَها وأحدثَت جوّا متكاملاً من التعاطف الشعبيّ العامّ مع القضیّة بكلّ ما تحملها من دور محوريّ في ميزان الأمّة كما أعادت مفاهيمَها الخاطئة إلى نصابِها الصحيح مُعزِّزاً إيّاه بمنطقه العقلانيّ الذيّ ترك أبلغَ الأثر على العقول والقلوب.ولله الحمد والمنّة. عبدالوهّاب سلطان الدِّيروي)

بعد الحمد والصلاة:
أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيءٍ، فإنَّ كلَّنا متّفقون على أنّ العدوانَ الوحشيَّ الذي يرتكبُه الكيانُ الإسرائیليُّ في حقّ المَدنيّين العُزَّل في غزّة يخالِف كلَّ القِيم الإنسانيّة على طولِ الخطّ، وأنّه داسَ هذه القيم كلَّها تحت قدمَيه. ولم يعُد لدى العدوّ الخسيس أدنى رمقٍ من الإحساس الإنسانيِّ.
وقد سبقَ إلى الحديث عن قضيّة فلسطين السادةُ العلماءُ قبلي، ولا أعيد عليكم ذلك، ولكن ثمّةَ نقاطٌ من باب سوء التفاهم تجاهَ قضيّة فلسطين، أريد بلوَرتَها لإعادةِ المفاهيم إلى نصابِها الصحيح.

النقطة الأولى:
نطالِب بإيقاف الإجرام الحربيّ وليس بإيقاف الحرب العادلة:
إنَّ العالَم اليوم بمنظّماته العالميّة -وبما فيها منظّمة التعاون الإسلاميّ (OIC)- يطالِب بوقف الحرب. وإيقاف الحرب يَعني أن يمتنع الكيانُ المحتلّ وفلسطين كلاهما عن مواصلة هذه الحرب.
ولكن الذي ينبغي أن نطالب بإيقافِه هو القصف الإسرائیلي الهجميّ وليس الحرب.
وذلك لأنَّ أبطالنا المباسِلين المِغوارين من “حماس” إنّما يخوضون حربَ التحرير تحتَ رايةِ الإسلام ودفاعاً عن حقّهم الذي ولدتهُم أمّهاتُهم عليه -أحراراً- ضدَّ الكيان الذي تسلّط على أرضهم واحتلّه قهراً وظلماً وعُدواناً.

ستستمرّ المقاومة حتى تنتصر:
هذه المقاومةُ لم تكن لتتوقّف ولا ينبغي أن تتوقّف. وستَظَلّ مستمرّةً ضدّ الكيان الغاصِب المُحتَلّ ما لم ينته احتلالُه عن أرض فلسطين برُمّتها وما لم يتمّ القضاءُ على الكيانِ بجميعِ دبّاباته وآليّاتِه، وليبارِزهم الکیان الإسرائیليّ المُحتلّ -إن كانت لديها جُرأة- في ساحة المعركة، وجهاً لوجهٍ، بدلاً من قصفِ المدنيّين العُزَّل الأبرياء .

وعليه فإنَّ أيّ مسلم واعٍ -بل أيّ إنسانٍ يملك وعياً- لاينبغي أن يطالب بوقف هذه الحرب، وإنّما ينبغي أن يطالب بوقف الإجرام الحربيّ الذي يرتكبه الاحتلال من خلال قصف المدنيّين الأبرياء.
وإنّما يقصف المحتلُّ الأطفالَ والنساءَ والابرياء انتقاماً للتغطية على هزيمتِها وخسائرِها الّتي تتكبّدُها في مواجهة أبطالنا المناضلين .

النقطة الثانية:
لا، لحلّ الدولتَين:
النقطةُ الثانيةُ التي أبغي عرضَها هنا هي: أنَّ القولَ ب”حلِّ الدولتَين” -كما يكرّر الدعوةَ إليه الحُكّام ومن يُحبّون الأمنَ في فلسطين، بسببِ سوء تفاهُمهم- مرفوضٌ بتاتاً، لأنّه ينافي موقفَنا الأصيل ويُؤدّي إلى مُغالَطاتٍ شديدةٍ. لأنَّ معنى حَلِّ الدّولتَين: أن تقوم هنالك دولتان في فلسطين، دولةٌ للكيان وأخرى للفلسطينيِّين.
وإنَّ مُؤَسِّسي باكستان أعلنوا منذ اليومِ الأوّل أنّ الكيانَ الإسرائیليّ “ولدٌ غيرُ مشروع” للقوى الغربيّة. وما زلنا متمسّكين بِهذه النظريّة.
ومن ثَمَّ فإنّا نرفضَ المطالبةَ بأن يُعطى الكيانَ المناطقَ التي احتلَّتها ويبقى في نصيب الفلسطينيِّين: غزّةُ والضفّةُ الغربيّة فحسبُ. وكيف سنقبل ذلك ونحن لم نعترف بالكيانِ الإسرائیليِّ منذ يومِه الأوّل.

باكستان لن تتخلّى عن موقفها الأصيل:
لا يمكن لباكستان أن تتخلّى عن موقفها الأصيل الذي ارتآه مؤسُّسُها القائد العام محمد علي جناح تجاهَ قضية فلسطين، وهو حلّ “الدولة الواحدة”.
فلسطين للفلسطينيّين فحسب. وإنّ القولَ ب”حلّ الدولتَين” يعني الاعترافَ بإسرائيل، ولا يَحقُّ لأَيِّ دولةٍ مسلمةٍ أن يعترف بِها.

النقطةُ الثالثةُ:
حماس حركةٌ تحريريّةٌ سياسيّةٌ وليست إرهابيّةً:
جرت عادةُ الدول الغربيّة -وفي طليعتها أمريكا- أنَّ أيِّ شعبٍ ينهض لمقاومة المحتلِّ الغاصِب لاسترداد حقـّه فإنّهم يكثّفون الدّعايةَ ضدَّهم ويسِمونَه بالإرهابيّ. وقد أدّى ذلك إلى سوءِ تفاهُم في العالَم كلِّه وحتى في الدّول المسلمة التي ترزخ تحتَ التأثيرِ الغربيّ.

سیاسة الدعاية الغربيّة:
هذه سياستُهم التي مارسوها بحقِّ مجاهدينا في كشمير المحتلّة كما مارسوها في أفغانستان حيثُ وصَموا حركةَ طالبان بأنّها جماعةٌ إرهابيّةٌ، ولكن شاء الله أن يظطرّوا -رغمَ کلّ دِعاياتِهم تلك- لإجراءِ مُفاوضات السلّام معهم على الطاولة مفاوضةَ النِدّ للندّ. أثمرت مقاومتُهم ومهّد الله تعالى لهم بفضلِها طريقَ الفتح والانتصار بحمد الله. وقد حان لِهذا التاريخ أن يُعيد نفسَه في أرض فلسطين، بإذن الله تعالى.
وإنَّ حركةَ حماس تُمثِّل قوةً سياسيّةً، وتمثـِّل فلسطينَ كلّها، وليست مجموعةً من المحاربین. وإنّي لَيُؤسِفُني أن أرى وسائلَ الإعلام تصِفهم بالمحاربين أو المقاتِلين. إنّهم في الواقع مجاهدون في سبيل الله.

وقد تحدَّث إليكم سماحةُ الأستاذ ناجية بأنَّ أكثرَ هؤلاء المقاوِمين في حركة حماس حَفَظة لِلقرآن الكريم كُلاًّ أو جزءًا، ويتلقّون تربيةً دينيّةً إصلاحيّةً قبل الانضمام إلى الحركة، ولكنَّهم -کعادتِهم- يصِفونِهم بالإرهابيّين. والحقّ أنّ الإرهابيّ هو الكيانُ الإسرائیليُّ الّذي عاث في أرض فلسطين فساداً وبدأ مسلسلَ الدمار والإبادة الجماعية فيها، منذ خمسة وسبعين عاماً.

النقطة الرابعة:
بماذا تأمرنا الشريعة الإسلاميّة تجاه فرضيّة الجهاد؟
إنَّ حكوماتِنا تدعمُ إخوانَنا المجاهدين بعبارات كلاميّة وشيءٍ من الجهود الإغاثية والمساعدات الإنسانيّة، وفّقها الله تعالى لذلك، ونحن نقدّر لها ذلك ولكن المؤسِف في الموضوعَ أنّها لم تتّخِذ بعدُ خطوةً عمليّةً حاسِمةً، كما أشار إلى ذلك الأستاذ ناجية المحترم. وقد أخبرَنا: أنَّهم لا يطالبوننا بالدعم العسكريّ، ولكن يطالبون بأن لا نقصّر في أقصى ما يمكن أن نقدِّم من دعمٍ للمدنيِّين والمجاهِدين.

ولأعرض عليكم حكمَ الشريعة الإسلاميّة في هذا الخصوص، عندما يتمّ احتلال أرض من أراضي المسلمين أو الاستيلاء عليها فإنّ الجهاد يصير فرضاً على مُسلميها، ثمّ تتعدّى هذه الفرضيّة إلى مُسلميها المجاورين وهكذا يتعدّى إلى غيرهم درجةً بعدَ درجةٍ، فيصير فرضاً على كلٍّ منهم بقدر استطاعته.

وأنا بصفتی طالبَ علم أُعلن هنا أنّ الجهادَ فرضٌ علی جميع مسلمي العالم بقدرِ استطاعتهم، بمعنى أنَّ الكُلَّ مُكَلَّف فَرضاً أن يُمِدَّهم بكُلِّ ما يستطيع.

اقرؤا معي قولَه تعالى ليكون رسالةً إلى المسلمين جميعاً:
وسأقرأ عليكم آیَتَین من القرآن الكريم، وينبغي أن تكونا رسالةَ هذا الاجتماع إلى جميع المسلمين:
قال تعالى في سورة النساء:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [النساء: 75]
و اقرؤا معي أيضاً قولَه سبحانَه في سورة التوبة:
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]

رسالتي الأخيرة:
قد وُجِّهَت إلى الحُكّام انتقادات لا بأس بِها في هذا الاجتماع، حيث إنَّها جاءت في محلّها المناسب إلى حدّ كبيرٍ، ولا غروَ، فنحن مُكَلَّفون بإبلاغ ما نراه صواباً إلى الحُكّام من منطلَق النصح لهم ، ومن هنا أريد أن أقول لهم -في جوّ من التفاهم وليس التخاصم- وهذا كلامٌ يُحدّثني به قلبي وأقولُه مدفوعاً إليه بعاطفةِ النصح و بعدَ ما دعوتُ الله تعالى واستخرتُه:

إنّه منعطَف تاريخيٌّ فارِق:
“إنَّه قد تأتي في تاريخ الأُمَم والشعوب لحظاتٌ تتطلَّب قراراً سدیداً حاسماً، وإذا لم يتّخذوا فيه القرارَ السديدَ -بِهمّة وجرأةٍ وصبرٍ وجهاد ومثابَرةٍ- فإنَّهم يتجرّعون ويلاتِه قروناً، تماماً كما قاله أحدُ الشعراء (في الأرديّة ومعناه): قد تُخطيء اللحظات ولكن ينالَ عقابَه القرونُ الطويلات. ورُبَّ لحظةٍ بوزنِ قرنٍ.
وإنّها -في تقديري- هذه الساعةُ بالذات.

معاناةُ التبعيّة للغرب:
كُلُّكم يعلَم ويَعي أنّنا نعيش حالةً من العبوديّة للغرب. العالَم الإسلاميّ الممتدّ على خريطةِ العالم من أقصاه في المغرب إلى أقصاه في إندونيسيا يُعاني من تبعيّة الغرب في ميادين الحياة كلِّها، سياسيّاً واقتصاديّا وعسكريّا.

العالَم الإسلاميّ ثروته وخطورتُه الاستراتيجيّة:
وهنا نتساءل: إلى متى ستدوم هذه العبوديّة؟ في حينٍ أنَّ العالَم الإسلاميّ العريض قد رزقَه الله تعالى من الثروات الطبيعيّة ما لم يرزقه أحداً من العالمين.
العالَم الإسلاميّ يحتلّ وسطَ العالم ومركزَه.ويمتلِك الممرّاتِ المركزيّة التي تُخوّله حقَّ التحكّم في غيرهم أخذاً ومنعاً.
ولديه مضيق الباسفورس ولديه قناةُ السويس، ولديه أيضاً خليج “عدن” ولديه مضيق “هرمز” ، على أنّهم أربابُ “الذهب السيّال” -النفط- والغاز، ويتمتّعون بأغنى ثروات العالم !
فلماذا بعدَ كلِّ ذلك هذه العبوديّة التي نعيشُها؟
السببُ كما أخبرنا به سيّدنا الرسول الكريم صلّى الله تعالى عليه وسلّم حين تنبّأ عن قُرب العهد الذي سيؤول المسلمون فيه إلى هذا الضعف والاستكانة، وسأله بعضُ الصّحابة رضي الله عنهم :
“ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟
قال: “بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغثاء السَّيلِ، ولَينْزِعَنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوَهْنَ”.
فقال قائلٌ: يا رسُولَ الله، وما الوهنُ؟

قال: حبُّ الدُنيا وكراهيةُ الموتِ” ،
وأنّهم سيهجرون الجهادَ في سبيل الله.وهو الوضع الذي نعيشُه في عصرنا.

وقد أتاحت اليوم “حماس” فرصةً للأمة الإسلامية لكسب الحرّية واستعادتِها ولكسر طَوق العبوديّة عن أعناقها.

إلى استراتيجيّة دفاعيّة موحَّدة:
فإذا توحّد العالَم الإسلاميّ كلُّه ليتناصرَ معه صفّاً واحداً، واتّخذ من أجل ذلك استراتيجيّةً دفاعيّةً مشتركةً فأنا على يقينٍ بأنّ أمريكا وبريطانيا والقوى الغربيّة لا تستطيع أن تمسّها بأيّ سوء.
لماذا ؟ لأنَّ الربّوبيّة ليست لأمريكا، الربّوبيّة لله وحده ربّ العالمين، والقوة العظمى ليست هي أمريكا، وإنّما القوّة العُظمى لله وحدَه !

سنقاوم، فإما نصر أو استشهاد:
وعليه، فإذا قرّرنا أنّنا سنقاوم حتى آخر لحظةٍ مهما عانينا وجاهدنا. سنقاوم لو اتخذنا حياةَ الشظَف والمثابرة شعاراً،
سنقاوم ولوربطنا ببطونَنا أحجاراً
سنُقاوم ولو تلقـّينا على صدورنا قنابلَ ورصاصاً.
إذا قاومنا بِهذا الإيمان لن تستطيع أيّ قوّة على وجه الأرض أن تقهرَنا ولو كانت بحجم أمريكا وما إليها…

فاللهَ نسأل أن يُبصّرنا بِهذه الحقيقة ويفتح بِها أعيننا ويشرح لها صدورنا ويوفّقنا في ضوءِها للتخلّص من عهد عبوديّتنا”
إنّه تعالى على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

(ترجمة: عبدالوهّاب)