تعريب: عبدالوهّاب الدِّيروي

بسم الله الرحمن الرحيم

قضية فلسطين تاريخيّاً ودینیًّا
واجبُ المسلمين حكوماتٍ وشعوباً تجاه مسلمي غزّة

 

(خطبة الجمعة التي ألقاها سماحة العلامة الفقيه المفكّر والداعية المُصلح محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى أمام جمع حاشد في جامع دارالعلوم كراتشي في 20 من أكتوبر 2023م.
قد انتشرت على نطاق واسع من على مواقع التواصل الاجتماعي وحقّقت تأثيراً ملموساً في إيجاد الوعي وتصحيح المفاهيم ولفت الأنظار إلى خطورة القضية والقيام بنجدتها . نُقدّمها إلى قرّاء مجلة البلاغ مترجمةً إلى اللغة العربية، تعمیماً للفائدة. التحرير

الأوضاعُ التي يمرُّ المسلمون بها لا تسمح لنا بأن نتحدّث في غير موضو ع فلسطين وغزّة.كلّ الذين يتابعون أخبارَها يعاني قلقا أيّ قلق جرّاءَ القيامة التي قامت على أهل غزّة. حيث ذهب ضحيّةَ وحشيّة القصف العدوانيّ فيها آلاف  المسلمين، رجالاً وشيوخا، نساء وأطفالا أبرياء. لايفتأون يستهدفون المدنيّين وحتى المستشفيات التي تعجّ بالمرضى النساء والأطفال الذين يتأوّهون ويتألمون بکلّ معاني الوحشية والهمجيّة والعدوان، حتى حوّلوا المدن العامرة إلى أنقاض من ركام.

والقوى العالمية التي تتزعٓم لواءَ الحقوق الإنسانية هي الأخرى تتفرج بهذه المجازر البشرية بل تشجّعها وتُعلن دعمَها لإسرائیل.

وهنا نقطتان، أريد بلورتَهما أمامكم:
النقطة الأولى: ثمّة دعاية إسرائيلية مكثَّفة انتشرت في العالم، وسبّبت سوءَ تفاهمٍ لدى البعض بمن فيهم بعض المسلمين أنفسهم، حين يتساءلون:ما الذي دفع حماس ليتحدّى الكيان الإسرائیلي  الذي يفوقه من ناحيته الحربية والعسكرية أضعافاً مضاعفةً، وكيف غامرت بتوجيه الصواريخ إليه مع علمها بأنه مدعو بالقوى الغربية مثل أمريكا وبريطانيا التي تساند ظهره.

بينما يزعم البعض أن حماس خطت خطوةً انتحاريةً غير عقلانيةٍ، لأن حماس تتحدّى قوة لا تستطيع مجابهتها فضائیاً كمایعوزها المعدّاتُ الحربية اللازمة.

ولكن الواقع أنَّ الكيان الإسرائیليّ لا يتمتّع بأيّ قوة ذاتية، وإنّما تستمدّ كلَّ قوتها من هذه القوى الغربية  التي  أنبتَته في قلب العالم الإسلامي نباتاً سیـیئا، يبتغون من خلاله تحقيق مآربهم ومصالحهم.

اختلقوه لیکون كالسرطان في قلب العالم الإسلامي في عام 1948م بعد استقلال باكستان بعامٍ، وفي الوقت الذي بدأت فيها باكستان تستقلّ وتنتهض كقوةٍ إسلاميةٍ صاعدةٍ. أقيم هذا الكيان على حساب دماء الآلاف من المسلمين في مجزرة قرية “ديرياسين” وأشلائهم حين ذبحهم اليهود وشرّدوهم تشريداً. وهو الوقت الذي قال فيه مؤسس باكستان القائد محمد علي جناح : “إسرائیل بنت الحرام للقوى اللغربية !”.

ثمّ أرغموا حكّامَ المسلمين بحيلة أو أخرى أن يعترفوا بها، وبدأت محاولات “التطبيع”، ومورس الضغطُ على بعض البلاد الإسلامية التي أقدمت على اعترافها بما فيها مصر وأردن.

وامتداداً لتمهيد التطبیع مع الکیان الإسرائیلي كدولة مستقلة، كان قد آن الأوان ليُمارَس الضغط على السعودية التي تُعدّ مركزاً للمسلمين، ليُطبّع معها، ولئن طبُعت معها العلاقات السعودية مرةً فسيصبح من الصعب جداً لبقية الأقطار الإسلامية أن تأبى الانخراط في سلك التطبيع.

ولم يكن هجوم حماس عن فراغ وصدفة، بل لها تاريخ. مسلمو فلسطين ومنذ يوم احتلال الكيان الإسرائیلي­ يتعرّضون للاضطهاد والتعذيب والبربرية على أيدي اليهود، ولا يخفى على المسلمين الواعين تاريخ اللمجازر البشرية التي ذبح من خلالها اليهودُ مسلمي فلسطين.

وقد أحسَّ حماس (والله أعلم): لئن طبّع العالم الإسلامي مع هذا الكيان فإنه سيتحوَّل إلى سرطان لا يزال يتصاعد قوة حتى يتجاوز فلسطين ويستشري شره في عموم العالم الإسلامي، لتحقيق المشروع الصهيوني الذي يسمُّونه: “الإسرائیل العظمى”.

ومن هنا قرَّرت كانت انطلاقة حماس أن تقضي عليها بضربة قاضية لتعرقل مسيرةَ التطبيع على أقلّها، وقد حقَّقت النجاح في هذا الصدد، حيث إنها أنشأت وعيًا في المسلمين تجاه القضية وتراجعت بفضلها محاولات التطبيع وتوقَّفت.

وقد علِم المسلمون في فلسطين أنَّ الموت حتم، فهلاَّ نموت موتَ عزٍّ وشرف وكرامة، مجاهدين شهداءَ في سبيل الله، وإن لم يعقله العقلانيــّون الذين يعبدون عقولَهم، أما الذي يعبدالله تعالى ويعرف قيمةَ الشهادة في سبيله ومكانتها عند ربِّه الكريم فإن إقدامهم على هذا الهجوم إقدام سديد في محلّه.

وقدقضى هذا الهجوم على هيبة الكيان الإسرائیلي الذي زرعوها في قلوب الناس، ولئن داوَم المسلمون على هذا الجهاد وقامت الدول المسلمة بمسئولیتهم الملقاة على كواهلها تجاهها فليس ببعيد عن رحمه الله أن يحوِّلها إلى معركة حاسمة فاصلة فينقذنا الله تعالى بفضل منه ورحمته من هذا السرطان.

           والنقطة الثانية: أنّ هناك من يتساءل :ماذا عسى يمنع اليهود أن يؤسّسوا دولةً  في أرضٍ یربطهم بها تاريخهم، بحكم كونهم بني إسرائیل، وباعتبار كونها أرضَ معظم الأنبياء الذين كانوا من بني إسرائیل؟ وهذا في الواقع ناشيء عن سوءِ تفاهم روَّج له الدعاية الإسرائيلية.

الواقع الذي يجب أن أوضحه هنا أن فلسطين لم يحكمها بنو إسرائیل إلا تسعاً وتسعين(99) سنةً، من بين آلاف السنين، وكان سكّانها الأصليون كنعانيين، وهم الذين انتقلوا من جزيرة العرب إلى فلسطين. الأمر الذي يدلّ على أن عرب فلسطين هم أوّل من بدأوا باستيطانها، وحلّوا فيها، ومكثوا فيها قروناً، ثم فتحها سيدنا سيموئیل بعد بعثة سيدنا موسى عليهما الصلاة والسلام، فتلاه حكمُ بني إسرائیل تسعاً وتسعين سنةً، على أنّ هذه الفترة هي الأخرى قد تخللها فجوات وثغرات انقطع فيها حكمهم ثم عاد من جديد، بالإضافة إلى ما ارتكبوه من جرائم ومعاصي، حتى بلغ بهم الأمر إلى قتل الأنبياء، بشهادة القران الكريم، كما يشهد به كتابهم المقدس: ’العهد القديم”.

وإذا قدّرنا هذه الفترة الزمنية فقد انقضى عليها -منذ انقراض حكمهم- ألف وثماني مائة (1800) عام، لم يدُم خلال هذه المدة حكمُ اليهود على فلسطين برهةً من زمن.

وليت شعري كيف يهبّون الآن -وبعد ثماني عشرۃ مائة عام (1800)- ويدَّعون أنّها أرضُ آبائهم، فيستحقّون البقاءَ فيها ولو على حساب سكّانها الأصليين.

ولئن صحّ الاعتراف بهذه الفسلفة فإنّ هذا سيبرِّر للهنود الحُمر في أمريكا أن يدَّعوا استحقاقَ الاستيلاء على حكم أمريكا وتشريدِ أهلها بحجّة أنهم كانوا ملاّكها السابقين قبل كذا وكذ من المدة الزمنية، بل سيبرِّر للشعوب المحكومة بالحكومات المعاصرة أن يجرّدوا أهلَها من حكمها ويحِلّوا محلّها ؟  هل هناك من يستسلم لهذة الحجة الواهية الركيكة ؟

ولكن الدول الغربية اعترفت بهذه الحجّة لصالح الكيان الإسرائيلي في الوقت الذي كانوا منتشرين في أطراف العالم شذرَ مذرَ،  فجمعوهم من إنكلترا وفرنسا وسويسرا وروسيا وغيرها لإحلالهم في أرض فلسطين ولو على تشريد حساب سكّانها الأصليين وإبادتهم الجماعية.

ومن هنا وفي عام 1948م قد ساهمت بريطانيا ومعها أمريكا مساهمتها الكبيرة في تربية هذا الولد الحرام، وأعلنت تأسيسها، ولم ينقض على إعلان رئیس وزرائها “بنكوريون” () ساعتان حتى أعلنت أمريكا الاعتراف بها رسميا، كدولة، مع أنها قامت على مذابح المسلمين في “ديرياسين” التي تعرض فيها الاف من مسلمي فلسطين للإبادة والتشريد.

وعليه فإن الدعوى بأنها حق اليهود خطأ ويجافي الواقع سياسياً، لأنـَّهم بمعزلٍ عن أرضها منذ ثمانية عشر مائة عام، لم يحكمها في معظم هذه الفترة إلا المسلمون.

وقد أسكنهم المسلمون طيلةَ فترة حكمهم بشكلٍ آمنٍ، وإنّما منعهم السطان عبدالحميد إبّانَ الخلافة العثمانية من استيطانها، ولكنه لم يسيء معاملتَهم ولم يحظر على حريتهم الدينية، ولم يبخسهم شيئاً من حقوقهم الأساسية. ولكنهم اجتمعوا بعد تفرُّقهم  ليدَّعوا الحق في فلسطين.

وقد يدَّعي البعض من منطلق دينيٍّ أن سيدنا دؤاد وسليمان عليهما الصلاة والسلام  بنى الهيكل، ونعترف بذلك، كما ذكره القران الكريم، حيث بناه سيدنا داؤد، كما بنى سيدنا سليمان المسجد الأقصى، ولكن القول بأن سليمان أول من بنى المسجد الأقصى مغالطة كبيرة إزاء المسجد الأقصى.

الواقع أن الله تعالى بنى بيتين، أوله بيت الله في مكة المكرمة، بناه الملائكة أولاً ثم سيدنا أدم ثم جاء سيدنا إبراهيم ليُعيد بناءه بعد ما اندرست آثاره، وعليه فإنَّ سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن بانياً له وإنما كان مجدِّدا لبناءه القديم، بأمرٍ من ربــِّـه.

وهكذا، فإن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام لم يكن بانياً مؤسّساً للبيت المقدس، بل تدلُّ الروايات أن أوّل من بنى البيت الأقصى هو سيدنا أدم عليه الصلاة والسلام ولكن اندرست آثارہ بعد ذلك، فجاء سيدُنا داؤد وسيدنا سليمان عليهما الصلاة والسلام ليجدِّدا بناءَه القديم، وإذا كان غيرنا يدّعي الانتماء إليهما فإنّهم أنبياؤنا كذلك.

وعجباً لِليهود الذين يدَّعون الانتماءَ إليهما من ناحیةٍ،  ويصرِّحون من ناحيةٍ أخرى في كتابهم المقدس باسم “العهد القديم” أنّ سليمان عليه الصلاة والسلام قد ارتدّ، واختار الوثنيةَ، الأمر الذي ردَّ عليه القرآنً الكريم قائلاً:

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102]

فيرمونه من ناحيةٍ بالوثنية ويدَّعون من ناحيةٍ أخرى أنها ذكراه التي يستحّقونها.

وعليه، وفي ضوء ما أسلفنا، فإنَّهم لا يستحقّونها بأيِّ دافع سياسيٍّ كما لا يستحقونها بأيِّ دافع دينيٍّ.

ولكن اصطنعتها أمريكا وما يدور في فلكها من الدول الغربية ليكون سرطاناً في قلب العالم الإسلامي، ومنذ يومئذ وهي تضطلهد المسلمين في فلسطين بأشدّ أنواع التعذيب والظم والتنكيل، فاستعدَّت حماسُ لمقاومتها وأعدَّوا عدَّتها في خلال خمس وثلاثين سنةً ليهجموا عليها ھذہ الھجمة، مع سابق علمها بأن الكيان الإسرائیل سيعامِلهم بالمثل وأشدّ وأنه سيُؤدي إلى ضحايا وشهادات.

ولا ريب إنها مأساة كبيرة، ولكن المأساة الكبرى أن العالم الإسلاميّ كلّه في صمتٍ وبمعزل  عن نصرة حماس التي تكافح من أجل قوة العالم الإسلامي وشرَفه وكرامته ولا يتجاوزون الإدانات والبيانات الكلامية إلى المساعدات الواقعيّة العمليّة المؤثّرة.

والشريعة الإسلامية تأمر بفرضية الجهاد على المسلمين بمبدأ الأقرب فالأقرب عندما تتعرض إحدى بقاعهم لهجوم غير المسلمين، حيث يجب الجهاد أولاً على سكان تلك البقعة، وإذا لم يكف عددهم، فيجب على من يليهم، وإن لم يكفوا، فعلى من يليهم، وهكذا يمتدّ هذا الوجوب إلى الدول المجاورة القريبة، ولكنه يجب على كل هؤلاء بقدر استطاعتهم، وعليه فيجب على جميع الدول المسلمة مساعدتهم بالنفس والمال والدفاع،           ولكنه يحتاج في نفس الوقت إلى تخطيط حكيم يجعل هذه المساعدة في صالحهم ولا يحوّلها إلى وبالٍ عليهم، ومن أجل هذا التخطيط الحكيم ينبغي للعالم الإسلامي أن يوحّد كلمتَه للتوصّل إلى خطة عمل حاسمة ومدروسة تصبّ في صالح إخوانهم في غزة.

وقد رزق الله دولتنا باكستان جيشاً  يتمتع بقوة عسكرية قلما يتوفّر مثلها لأي بلد، ويجب عليها أن يمدّهم، ولكن بحكمةٍ تجعل هذا الإمداد في صالحهم ولا يضرهم، لأنّه ليس من الحكمة  مكاشفتها بالهجوم دون تخطيطٍ سابقٍ مدروسٍ يضمن نفعَها لهم، وإنما يحتاج الموضوع إلى خطة حكيمة محكمة مسبقا، توجب مساعدتها على جميع الدول بما فيها باكستان، وفقهم الله تعالى لذلك.

وإني لأدرك جيشنا أنه يتمتع بنعمة الإسلام وبالعواطف الإيمانية التي يُستبعد معها أن تتبنّى سياسةَ الصمت ولا تسعى جهدَها لنسج خطة حكيمة. إنّي أؤمّل  بأنها تعد هذه الخطة، (قدر الله تعالى ذلك)، وأدعو الله تعالى أن لا تتقاعس.

 

فإنّي أخشى أن الثعبان الإسرائیل إذا لم يقمع رأسه في هذه المرحلة، فإنه سيتمدد ويتجاوز ثغور فلسطين ليلدغ سائر الدول الإسلامية.

وعلیه فإن جميع الدول المسلمة مكلفة بإعداد خطة عمل حكيمة تضمن اقتلاع هذه النبتة الفاسدة من جذورها.

وأما عامة المسلمين الذين لا يحسنون قتالها هناك، فإنهم مكلفون بإعانتهم بأي شكل ممكن، بما في ذلك تزويدهم بالمساعدات الإنسانية والمالية.

ونحمد الله تعالى أن يسّر لنا القيام بحملة دعم مالي متوضعة نصرة لإخواننا المقهورين في غزة، والحمد لله الذي يسّر إيصالها إليهم.

وباب المساهمة فيها مفتوح، ويجب أن نقرن هذه الحملة الداعمة بالدعوات الصالحة، ولنتخيل كيف لو كان هذا القصف -لا قدر الله- يستهدف أبناءنا ونساءنا وشيوخنا، ماذا يكون شأننا وشعورنا بالمسئولیة؟، بمثل هذا الشعور بالمسئولیة، فليعد الكل عدته ويلتزم الإنابة إلى الله ، وهذا ما يجب على العبد المؤمن ، يفعل ما في مستطاعه، وينيب إلى الله تعالى، سائلاً إياه أن يحقّق وعده الذي قطعه في القران الكريم:

{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]

وفقنا الله تعالى وإياكم.

 

(ترجمة: عبدالوهاب)