بسم الله الرحمن الرحيم
الصيرفة اللاربوية، شبهات وردود
الحلقة الثانية
هل يمكن تقديم بديل شرعيّ للصيرفة الربويّة؟
بادئ ذي بدء، علينا أن نحسم مسألة أساسية: هل من الضروري أو من المستحسن أن نبحث عن بديل إسلامي للنظام المصرفي القائم على الربا؟: لن يكون من المجدي البحث في تفاصيل إجراءات البنوك الإسلامية إذا كان أصل الفكرة مبنيّا على خطأ.
لقد تعددت الآراء وتناقضت بشأن هذه القضية. يرى البعض أن البنوك والإسلام متعارضان تمامًا، وأنّهما ضدّان لا يجتمعان. ويُشبّهون ذلك بعدم إمكانية وجود “خمر إسلامي” أو “قمار إسلامي”، فكيف يمكن أن يكون هناك “بنك إسلامي”؟ بينما يرى البعض أنه ليس من مسؤوليتنا تقديم بديل، ويرى آخرون أن الشراكة والمضاربة هما البديل الشرعي، ولكن تطبيقهما على أرض الواقع في ظل الظروف الحالية يعد أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
لكن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه هنا هو: “هل نحن حقًا ملزمون بتقديم بدائل لكل ما هو غير مسموح به شرعًا في هذا العالم؟” هذه القضية ليست جديدة، بل سبق أن عني بها العناية اللازمة. وقد ناقشتها بإسهاب في كتابي “الإسلام والاقتصاد الحديث والتجارة”، حيث خلصت إلى ما يلي: “لسنا ملزمين بتقديم بدائل للأمور التي لا تمثل حاجة إنسانية حقيقية، مثل اليانصيب والقمار، التي لا تخدم إلا الترف. ومع ذلك، حينما يتعلق الأمر بأمور تدخل في صميم الاحتياجات الإنسانية أو أصبحت جزءًا منها، فإن البحث عن وسائل بديلة ومشروعة لتحقيقها ليس مجرد أمر مستحسن، بل يمكن على الأقلّ أن يكون سنّة كما سيأتي.
إذا أمعنا النظر في النظام المصرفي اليوم، نجد أن الكثير من خدماته باتت جزءًا من الحياة اليومية للناس. فالذي يملك مثلاً بعض المدخرات يكاد يُضطر لإيداعها في البنوك حفاظًا عليها. ولو لم تكن هذه حاجة حقيقية، لما أُجيز إيداع الأموال في الحسابات الجارية.
وقل مثل ذلك، في مجال التجارة الدولية، لا يمكن لرجل أعمال أن يستغني عن خدمات البنوك لتحويل الأموال بين الدول، إذ لا تتوفر وسيلة أخرى بنفس الأمان والكفاءة.
على أنّ ادّخار أموال الناس واستثمارها فيما يخدم مصلحة الصناعة والتجارة في البلاد غاية سديدة في حدّ ذاتها، ولكن الأساليب المتبعة من أجل تحقيق هذه الغاية محكوم عليها بالحرام وتضر بالمجتمع، ومن ثم فإن البحث عن بدائلها الشرعية الخالية عن الربا من الضروره بمكان.
يقول العلامة السيد يوسف البنوري رحمه الله:
“لا يمكن للنظام البنكي التقليدي العمل بدون ربا. لذلك، ينبغي التفكير في نظام بديل يعتمد على المضاربة والوكالة والشركة، بحيث يمكن تلبية احتياجات المجتمع دون الوقوع في محظور الربا. لا يمكنكم إنهاء التجارة الدولية أو فرض الاكتفاء بالتجارة المحلية، لذا يجب على العلماء إيجاد حلول في أسرع وقت في ضوء الفقه الإسلامي، كي لا تترسخ لدى الجيل الجديد فكرة أن الإسلام عاجز عن حل مشكلات العصر” [1]
ويضيف في سياق آخر لمجلة “البيّنات”:
“من الواضح أنه مع تقدم الحضارة وتزايد الروابط مع الدول غير الإسلامية، ستواجه الأمة تحديات جديدة. على العلماء العمل على إيجاد حلول مبتكرة توافق الفقه الإسلامي كي تبقى الأمة في مسارها الصحيح”
وفذلكة الكلام أن على العلماء اليوم دورًا مشابهًا لما قام به أسلافهم، حيث كانوا يتناولون المستجدات الفقهية تحت عناوين مثل: “أجناس”، “واقعات” و”نوازل”، ثم يعالجون ويقدّمون حلولها في ضوء الفقه الإسلامي القديم. وهذا الدور مازال منتظرا من علماء عصرنا؛ إذ يجب على الفقهاء دراسة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية وتقديم حلولها المستخرجة من الفقه الإسلامي.”[2]
في تلك الحقبة، كانت “إدارة التحقيقات الإسلامية” تسعى تحت إشراف الدكتور فضل الرحمن إلى تبرير جواز الفوائد البنكية التقليدية. وفي إحدى المناسبات، ألقى سماحة الشيخ البنوري خطابًا إلى هذه المؤسسة، قائلاً:
“إن نمط الحياة غير الإسلامي السائد في العالم الخارجي اليوم يرتكز على نظامي الفائدة والتأمين، ولا يمكن لأي نظام اقتصادي في هذا العصر أن يعمل بدون البنوك. لذلك، ينبغي لنا التفكير في بناء نظام اقتصادي، وتأسيس بنوك تعمل دون الحاجة إلى الفائدة؛ سواء عبر المضاربة أو وفق قوانين الشركة. ولا يجوز اللجوء إلى العقلية التي تقول إن فوائد البنوك التقليدية ليست بتلك التي نهى عنها الإسلام”[3]
ومع ذلك، كما أوضحتُ بوضوح في كتابي “التجارة والاقتصاد المعاصر في ضوء الإسلام”، فإن مسؤوليتنا لا تقتضي إيجاد بدائل لكل منتج من منتجات البنوك التقليدية. على سبيل المثال، لسنا مُلزمين بتقديم بدائل لشراء وبيع الديون، أو المشتقات المالية (Derivatives)، أو البيوع المستقبلية (Futures). وقد ذكرتُ في كتابي أنّ:
- إن تحريم الفائدة له تأثير عميق على نظام توزيع الثروة برمته، وبالتالي من الخطأ افتراض أن تطبيق بديل شرعي للربا سيحقق للأطراف ذاتها نفس الأرباح التي تجنيها من النظام القائم. الحقيقة هي أن النظام الاقتصادي الإسلامي، إذا طُبق بالشكل الصحيح، سيُحدث تحولات جوهرية في نسب توزيع الأرباح؛ وهذه التحولات ليست مجرد تغييرات عابرة أو عرضية، بل هي ضرورة لازمة لتحقيق الاقتصاد الإسلامي الأمثل.
- إن إحدى الخدمات التي تقدمها البنوك اليوم، والتي لها أهميتها بالنظر إلى الظروف الاقتصادية الراهنة، هي دورها كوسيط يستقطب المدخرات المبعثرة لدى الأفراد ويستثمرها في المشاريع التجارية والصناعية. فإذا بقيت هذه المدخرات حبيسة خزائن الأفراد، فلن تُستثمر في دفع عجلة التجارة والصناعة. ومن الواضح أن إبقاء الأموال الفائضة خاملة لا يتماشى مع مبدأ الشريعة ولا مع العقل أو الاقتصاد.
غير أن الطريقة التي تتبناها البنوك التقليدية لاستثمار هذه الأموال تتمثل في تقديم القروض، مما يُشجّع أصحاب المشاريع على استغلال أموال الآخرين لتحقيق مكاسبهم الخاصة، بينما يبقى الجزء الأكبر من العوائد المالية في أيدي هؤلاء المستثمرين. أما المودعون، وهم المُلّاك الفعليون لهذه الأموال، فلا يحصلون على فرصة عادلة لتحقيق التقدّم والازدهار الذي يستحقونه.
لذا، في النظام المصرفي الحالي، يتجلى دور البنك كمؤسسة إقراض لا تهتم بحجم الأرباح المتحققة من الأموال المُقترضة، ولا تهتم بمن يستفيد ومن يتضرر من هذه القروض.
أما من منظور تعاليم الشريعة الإسلاميّة، فلا يمكن للبنك أن يستمر في أداء دوره كمجرد مقرض للمال. بل يجب أن يتحول إلى مؤسسة تجارية تستقطب مدخرات الناس، وتستثمرها في مشاريع تجارية حقيقية، بحيث يكون جميع المودعين مساهمين مباشرين في هذه المشاريع، وتكون مكاسبهم أو خسائرهم مرتبطة بنتائج الأعمال التي تم استثمار أموالهم فيها. وبهذا، لا ينبغي توجيه النقد إلى فكرة أن البنك قد أنهى وضعه كمؤسسة إقراض ليصبح مؤسسة تجارية، إذ إن ذلك التحول هو السبيل الوحيد لتلبية الاحتياجات التي نطمح إلى إيجاد بدائل لها.[4]
بقي أن ندرس مسألة ما إذا كانت مسؤولية العلماء تقتضي تقديم بديل شرعي لأيّ معاملة محرّمة أم لا !
وهي قضية تتطلب منا الرجوع إلى القرآن الكريم وسنة النبي الكريم ﷺ. فقد قدّم القرآن تحريم الربا على تقرير حلِّية البيع، حيث قال:
“وأحل الله البيع وحرم الربا”.
وعندما أعلن النبي الكريم ﷺ أن بيع صاع من التمر الرديء بصاعين من التمر الجيد يُعد ربا، قدم في ذات الوقت بديلاً عمليًا حلالاً، حيث قال:
“بع الجيد بدراهم، واشتر بالدراهم الرديء ”
وسيأتي الحديث مفصّلا في بحث :”الحكم الشرعيّ للحيلة”.
وذكر العلامة السرخسي حادثة أخرى كالتالي:
“وعن أبي جبلة قال سألت عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – فقلت: إنا نقدم أرض الشام ومعنا الورق الثقال النافقة، وعندهم الورق الخفاف الكاسدة أفنبتاع ورقهم العشرة بتسعة ونصف؟ فقال: لا تفعل، ولكن بع، ورقك بذهب، واشتر ورقهم بالذهب، ولا تفارقه حتى تستوفي، وإن وثب من سطح فثب معه”
وعلّق عليه العلامة السرخسي رحمه الله تعالى بما يلي:
“وفيه دليل رجوع ابن عمر – رضي الله عنه – عن قوله في جواز التفاضل كما هو مذهب ابن عباس – رضي الله عنهما -، وأنه لا قيمة للجودة في النقود، وأن المفتي إذا تبين جواب ما سئل عنه فلا بأس أن يبين للسائل الطريق الذي يحصل به مقصوده مع التحرز عن الحرام، ولا يكون هذا مما هو مذموم من تعليم الحيل بل هو اقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث «قال لعامل خيبر: هلا بعت تمرك بسلعة، ثم اشتريت بسلعتك هذا التمر[5]»”
والقصة نفسها بنفس التفصيل ذكرها العلامة ابن الهمام وأضاف إليه:
“إنما المحظور تعليم الحيل الكاذبة لإسقاط الوجوبات[6]”
(متواصل۔۔۔)
[1] (مجلة “البيّنات”، جمادى الأولى 1383 هـ).
[2] :مجلة البينات، (ربيع الأول 1383 هـ).
[3] :مجلة البيّنات، ربيع الثاني 1384 هـ / سبتمبر 1964، ص 13
[4] : التجارة والاقتصاد المعاصر في ضوء الإسلام( أردو)، ص 133-134).
[5] : المبسوط للسرخسي (14/ 4)، دار المعرفة، بيروت.
[6] فتح القدير للكمال ابن الهمام (7/ 137)، دار الفكر.