فقه البيوع على المذاهب الأربعة مع تطبيقاته المعاصرة مقارناً بالقوانين الوضعية

//فقه البيوع على المذاهب الأربعة مع تطبيقاته المعاصرة مقارناً بالقوانين الوضعية
فقه البيوع على المذاهب الأربعة مع تطبيقاته المعاصرة مقارناً بالقوانين الوضعية2019-02-13T23:54:05+05:00

Project Description

بِسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على سيدنا

ومولانا محمّد النبيّ الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،

وعلى كلّ من تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين . أمّا بعد: فإنّ الفقه الإسلاميّ أغنى القوانين ثروةً فى دقّة تصوّراته للتّعاملات التّجاريّة، وتحقيق العدل فى حقوق أطرافها، ورعاية التّوازن بين مصالح الأفراد و مصالح المجتمع، كما أنّه يتميّز فى تدقيق جزئيّات الحياة الاقتصادية، وكثرة الكتب المؤلّفة فيها. وذلك لأنّ الفقه الإسلاميّ منبثق من الوحيِ المتلوّ فى القرآن الكريم، وغيرِ المتلوّ فى صورة السنّة النّبويّة على صاحبها أفضل الصّلوة والسّلام، فإنّه يتجلّى فيه نورُ الهداية السّماويّة فى جانب، ودقّةُ أنظار الفقهاء فى جانب آخر، لكونها مقتبسةً من ذلك النّور فى حاجاتٍ متشعّبة من حياتنا التّجاريّة. ولم يزل هذا الفقهُ هو القانونَ السّائد عَبر القرون فى تاريخ العالم الإسلاميّ، إلى أن تسيطر عليه الاستعمار الغربيّ، فنحّى الفقه الإسلاميّ بمعزلٍ عن تطبيقه العمليّ فى أرض الواقع، وأحلّ القوانين الغربيّة محلّها لتحكُم بها المحاكم، ويدرسُها الدّارسون، ويؤلّف فيها المؤلفون، ويُدقّق فيها المُحامون. وإنّ هذه الظّاهرة جاءت بنتيجةٍ سلبيّة ضدَّ الفقه الإسلاميّ من جهتين: النّتيجة الأولى: أنّ هذا الوضعَ أوقف تطوّر الفقه الإسلاميّ، أو جعله بطيئاً على الأقلّ، لأنّ تطوّر أيّ قانون ينتُج من تطبيقه فى ساحة الواقع، فإنّ الأوضاع المتطوّرة للحياة تتطلّب أن يُلتمس الحلول للمشاكل الّتى يتعرض لها النّاس عند ممارستهم للحياة العمليّة، فيتطوّر القانون بقدر تشعّب الحاجات، وبقدر تلبيتها من قِبل واضعى القوانين. وقد حدث ذلك فعلاً بالنّسبة للفقه الإسلاميّ فى العصور الّتى كان فيها هو القانونَ السّائد فى البلاد الإسلاميّة، فإنّ الفقهاء لم يُقصّروا فى تطوير الفقه الإسلاميّ بتفريع فروع جديدة حسب حاجات زمانهم على أساس المبادئ المسلّمة من الاحتفاظ بالأحكام الأبديّة المنصوصة فى جانب، ومراعاة حاجات العصر فى جانب آخر. ولكن لمّا عُزل الفقه الإسلاميّ عن التّطبيق العمليّ فى المسائل الحيّة، ركد تطوّره وارتقاؤه، بمعنى أنّ كتب الفقه الإسلاميّ ربّما لاتتحدّث بشكل صريح عن المسائل الّتى أحدثتها الحيوة الجديدة. لاشكّ أنّه لم يزل هناك مسلمون فى كلّ زمان ومكان يريدون أن يتّبعوا شريعتهم الغرّاء فى حياتهم بقدر الإمكان، فلم يزالوا يرجعون إلى المفتين للسُّؤال عن حكم أوضاع جديدة، ولم يزل الفقهاء والمفتون فى كلّ زمان ومكان يُصدرون فتاواهم للإجابة على هذه الأسئلة، وكانت هذه الفتاوى وسيلةً لتطوّر الفقه الإسلاميّ فى هذه العصور، ولكنّها كانت جهوداً فرديّة مشكورةً فى دائرة محدودة. أمّا الحيوة العامّة، فكانت تسير عَجَلتُها الكبيرة على أساس القوانين الوضعيّة. والنّتيجة الثّانية لإبعاد الفقه الإسلاميّ من التّطبيق أنّ هذه الثّروةَ العظيمة لم تزل مختفيةً عن أنظار الّذين يُمارسون القوانين، ويُطبّقونها على أرض الواقع، فلم تبقَ أمام أعيُنهم إلاّ القوانينُ الوضعيّة الغربيّة، فأصبحت هيَ محلّ دراستهم، وتفكيرهم، وتعظيمهم، وتفعيلِها فى جميع شئون الحيوة. أمّا الفقه الإسلاميّ، فإنّهم أوّلاً لايعرفونه، وثانياً، إن وقع نظرهم على كتب الفقه العتيقة، فإنّهم لا يألَفون أسلوبها، ولا يجدون فيها ذكراً صريحاً لمسائل الحيوة المعاصرة، ولا يتمكّنون من تفريعها على الضّوابط العامّة. فأصبحوا يعتقدون أنّ الفقه الإسلاميّ شيئٌ دَرَسه التّاريخ، وليس له علاقةٌ بحياتنا المعاصرة المتطوّرة. فحينما يُطالب المسلمون دُولهَم بتطبيق الشّريعة الإسلاميّة فى ربوعها، فإنّ الّذين تربَّوا فى حضون القوانين الوضعيّة، واختفت حقيقةُ الفقه الإسلاميّ عن أعينهم للسبب المذكور، ربّما يُعارضون هذا الطّلب قائلين: إنّ تطبيق الشّريعة الإسلاميّة دعوةٌ إلى التّخلّف، وكيف يُطبّق على العصر الحديث المتطوّر ذلك القانونُ الّذى نشأ فى أوضاع قديمة قبل أربعة عشر قرناً؟ وكيف يُمكن أن يصير القانونُ جامداً لايُساير الحيوة المتغيّرة فى كلّ حين؟ والواقعُ أنّ الشّريعة الإسلاميّة لا تمنع البشر من تطوير حياته فى كلّ زمان ومكان، ولكنّها تُوازنُ بين الثّوابت والمتغيّرات ويُنشئ بينها توازناً يهدف إلى صلاح الفرد وصلاح المجتمع. وإنّ ممّا يبعث فى الفقه الإسلاميّ حيويّة خالدة، هو اختلافُ الفقهاء فى تفسير النّصوص الشّرعيّة، وتفريعِ الجزئيّات على ذلك الأساس. وإنّ المذاهبَ الأربعة (الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة) بصفةٍ خاصّةٍ لها مدوّناتٌ عظيمة استخرجت أحكامَ الفقه فى ضوء القرآن والسنّة النّبويّة على صاحبها الصّلوة والسلام، وفى ضوء الفتاوى والقرارات القضائيّة الّتى صدرت من الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم، ولاتوجد مثل تلك المدوّنات فى غير هذه المذاهب بهذا التّفصيل والتّفريع. لاشكّ أنّه قد جرت فيما بين هذه المذاهب مناقشاتٌ ربّما تبدُو حادّةً أو حارّة، وقد أُجريت فيما بينها مناظَراتٌ علميّةٌ قد تجاوزت الحدود فى بعض الأحيان. ولكنّ ذلك أمرٌ طبيعيّ فى عصر ارتقاء الفقه و بَلْورة الأفكار، ليُدليَ كلُّ واحد دَلوه فى تمخيض المسائل وتمحيصها، ولكن لم يحدُث أبداً أن يرميَ أحد منهم الآخرَ بالبطلان المحض والضّلال، إلاّ من قِبَل بعض المتعصّبين الّذين هَجَرهم التّاريخ الإسلاميّ، وأنكر عليهم فطاحل العلماء من كلّ مذهب. فالّذى يعترف به الجميع أنّ هذه المذاهب الفقهيّة ليست أدياناً يرمى أحدُها الآخرَ بالبطلان ومخالَفة الشّريعة الإسلاميّة. وإنّما هيَ أوجُهٌ متعدّدةٌ للشّريعة الإسلاميّة نفسِها فيما للاجتهاد فيه مجال. وإنّها متّفقةٌ فيما بينها فى الأحكام والمبادئ الأساسيّة الّتى قرّرها القرآن والسنّة بصفة صريحة، وأجمعت عليه الأمّة عبر القرون، ولكنّ اختلافها إنّما يظهر فى تفسير هذه النّصوص فى بعض الأحيان، وفى تقعيد الجزئيّات عليها فى أحيان أخرى. وكلُّ واحد منها يعترف بأنّ ما يقوله الآخر محتمَل، وليس باطلاً محضاً. ومن أجل هذا الاعتراف ربّما يَدَع رأيَه ويختار رأيَ الآخر حينما تدعو إليه حاجةٌ عامّة أو خاصّة، أو لفقدان العلّة الّتى بنى عليها رأيه. وبهذا تظهر مرونةٌ بالغة فى تحقيق المصالح الشّرعيّة، ومجابهة الأوضاع الجديدة.([1]) وإنّ هذه المرونة تتّضح بجلاءٍ أكثرَ فى فقه المعاملات الماليّة بصفة خاصّة. وذلك لأنّ النّصوص فى هذا الموضوع، بعد توطيد المبادئ الثّابتة الّتى لاتتغيّر، أفسحت بدَورها مجالاً للتّفسيرات المختلفة، فأعمل الفقهاءُ أفكارهم فى تفسيرها وتفصيلها بأساليب متعدّدة، فجاءوا باحتمالاتٍ كلُّها واردة فى ضوء تلك النّصوص. لاشكّ أنّ التّمذهب بمذهب معيّن قد أدّى دَوراً كبيراً فى تنظيم الحياة الفرديّة وإبعادها عن اتّباع الهوى، ولكنّ الاعترافَ بأنّ جميع هذه المذاهب محتمَلة فى إطار الكتاب والسنّة يفسَح مجالاً واسعاً لمجابهة الحياة المتطوّرة فى مرحلة التّشريع والتّقنين، لأنّ جميعها متّفقةٌ على أنّ ما حَكَم به الحاكم فى الأمور المجتهَد فيها نافذٌ على الكلّ، ولو كان مخالفاً لمذهبهم الفقهيّ على مستوى الأفراد. وبهذا يظهر أنّ اتّخاذ الفقه الإسلاميّ مصدراً للتّشريع لا يكبُل أيديَ المشرّعين أمام الحاجات الحقيقيّة للتّجارة والاقتصاد، ومادامت المبادئ والأحكام الثّابتة الأبديّة محتفظة، فإنّ هناك مجالاً واسعاً لإعمال الفكر البشريّ فى التماس الحلول لمشاكل الحياة المتغيّرة. ولكنّ ما نحتاج إليه اليوم أن يُدوّن الفقه الأصيل، وبخاصّة فقهُ المعاملات التّجاريّة والماليّة، ممزوجاً بالمسائل المتولّدة من الظّروف والأوضاع المعاصرة، ليتبيّن أنّ الفقه يتوجّه إلى القرن الخامس عشر كما كان يتعلّق بالقرون الأولى.وكلُّ ذلك بأسلوب يُلائم مذاق العصر، ويُسهّل للدّارسين تناولَه. فشرعتُ بتوفيق الله سبحانه وتعالى فى هذا التأليف، وحاولتُ بقدر وسعى أن يفيَ هذا الكتاب بهذه الحاجة، ويجمع أمّهاتِ مسائل المذاهب الأربعة من كتاب البيوع ممزوجةً بالمسائل التى أحدثها العصر الجديد، بحيثُ يصير كتاباً أصيلاً فى موضوعه، وعصريّاً فى أمثلته وتفريعاته وتطبيقاته وأسلوب ترتيبه. وكنت منذ أوّلِ يوم شرعتُ فى دراسة الفقه معتقداً بعبقريّة فقهاءنا الأقدمين فى دقّة أنظارهم وعقليّة اجتهاداتهم، ولكن لمّا شرعتُ فى هذا التّأليف بهذه المهمّة، تبيّنت لى آفاقٌ جديدةٌ لعمق تفكيرهم وسَعة اطّلاعهم بما جعلنى أشعر أنّى اقتحمتُ بحراً زاخراً لا ساحلَ له. وبما أنّى قضيتُ مدّةً طويلةً فى دراسة القوانين الوضعيّة، وممارستها قاضياً فى المحكمة العليا، ودرستُ القوانين الإنكليزيّة، وشروحها، وسمعتُ أبحاثَ المحامين، فأتاحت لي الأقدار فرصةً لمقارنتها بالفقه الإسلاميّ. فرأيتُ أنّ جهود علماء الفقه الإسلاميّ تفوقها من عدّة جهات: رأيتُ فى معظم القوانين الوضعيّة أنّها تقتصر فى غالب الأحيان على مبادئ القانون بصفة موجزة. أمّا الجزئيّات الّتى تندرج تحتها، فإنّما يذكرها شُرّاح القانون مبنيّةً على الواقعات الحقيقيّة الّتى رُفعت إلى المحاكم، وإنّها بعد استماع أدلّة المحامين من الفريقين، أصدرت قرارات أصبحت قانوناً موضوعاً من القُضاة. وإنّ شُرّاح القانون إنّما يقتصرون تحت كلّ مادّة من القانون على ذكر هذه القضايا، ولايتصوّرون جزئيّات من عندهم. أمّا الّذين دوّنوا الفقه الإسلاميّ، فإنّهم فى غالب الأحيان تصوّروا الجزئيّات من عند أنفسهم، وتغلغلوا فى ذلك إلى حدّ الاستقصاء. فلا تكاد تُتصوّر جزئيّةٌ فى عهدهم إلاّ ولهم فى ذلك كلامٌ. بل يتحيّر الإنسانُ فى بعض الأحيان أنّهم ذكروا أحكام جزئيّات قلّما تقع فى أرض الواقع. لاشكّ أنّ هذه الجزئيّات قد تكون مأخوذةً من بعض أقضية القضاة، أو من فتاوى بعض المفتين، ولكنّ الغالب منها متصوَّرٌ من عندهم. ومن الغريب أنّ هؤلاء الفقهاء لم يكونوا فى محلّ واحد، بل كان بعضهم فى الحجاز، وبعضهم فى المغرب الأقصى، وبعضهم فى العراق أو فى مصر والشّام، وآخرون فى ماوراء جيحون من وسط آسيا، ولكنّهم جميعاً يتفكّرون فى نفس الجزئيّات، ويعرف كلٌّ منهم قولَ الآخرين فى عهد لم تكن هناك طرق الاتّصال السّلكيّة، أواللاسلكيّة، أوالإلكترونيّة، ولا توجد فهارس مبسوطة، ولا حتّى الكتب المطبوعة, والكتب الّتى يستفيدون منها غير مفهرسة ولا مرقّمة. وما دوّنوه فى مثل هذه الظّروف لا يُمكن أن نبلغ شأوَه فى هذا العصر الّذى أصبح فيه العالم قريةً واحدةً لسرعة الاتّصالات، وكثرة الوسائل، وتوافر الكتب المطبوعة، والفهارس الميسورة. وأعجبُ من ذلك كلّه جُهد أصحاب المتون الّذين جمعوا تفاصيل المسائل اللمفصّلة فى عبارة موجزة لاتخلو كلمةٌ منها من معنىً دقيق يحتاج شرحه إلى بحث طويل. وكنتُ قاضياً فى القسم الشّرعيّ فى المحكمة العُليا، ولكن كنتُ أحتاج كثيراً أن أفسّر القانون الوضعيّ، إمّا لأنّه لم يكن مصادماً للشّريعة، وأحتاج إلى تنفيذه، وإمّا لأنّه كان من سُلطتى أن أحكم على ذلك القانون بأنّه موافقٌ أو مخالفٌ للشّريعة الإسلاميّة، فأحكم بإلغاءه. وفى خلال عملى ذلك، كثيراًمّا أحتاج إلى مناقشة ذلك القانون مع رفاقى فى المحكمة الّذين كانوا مؤهلين فى القوانين الوضعيّة، وطالت تجربتهم فى ذلك. ومراراً فى أثناء هذه المناقشة، كنتُ آتى بتفسير للقانون يُخالف الظّاهر، وإنّهم بعد سماع كلامى، يُقرّون ما فسّرتُه به. فقال رئيس القضاة مرّة: إنّ هذا الرجل ربّما يُسرع فى فهم القانون أكثر منّا. فأجاب أحدهم بأنّه قد درس الحقوق بمرتبة الشّرف. فأجبتُ قائلاً: “إنّ فهمى للقانون لا ينبثق من دراستى للحقوق، وإنّما هو ناتجٌ من دراستى للفقه الإسلاميّ.” وكان هذا الجوابُ حقيقةً أجزم بها حتّى الآن. وعلى كلّ، فإنّ الدراسة التّفصيليّة لمسائل البيوع والمعاملات الأخرى ضاعفت اعتقادى فى عبقريّة الفقهاء الأقدمين بما وجدتُ نفسى خاضعاً أمام مكانهم الشّامخ، وهمّتهم العاليّة، ونظرهم الدّقيق. أفاض الله تعالى عليهم شآبيب رحمته ورضوانه. وكثرت فى زماننا دعاوى الاجتهاد، وشاع القول بأنّهم رجال ونحن رجال، ولكن لم يوجد حتّى الآن من هؤلاء المدّعين مَن استطاع تدوينَ الفقه على أساس اجتهاده من كتاب الطّهارة إلى كتاب الفرائض بالتّفصيل الّذى دوّنه به الأقدمون. وليس من قصدى أبداً أن يُعتقَد فيهم العصمة، فكلٌّ يؤخذ من رأيه ويُترك، إلاّ صاحب هذا القبر (صلّى الله عليه وسلّم) كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى. ولكنّ نفيَ العصمة من هؤلاء ربّما ينشأ عن إثبات العصمة لنفس النّافى. فلا شكّ أنّ الأمور الاجتهاديّة فيها مجالٌ للخلاف، ولكن ممّن يستفيد بعلم هؤلاء الفقهاء ويقدُر قدرَ جهودهم قبل أن ينقد أفكارهم، ويعترف بمكانتهم العالية، ويتّهم رأيه قبل أن يتّهم رأيهم. وبناءً على هذا، فإنّ ما ألّفتُه فى هذا الكتاب، قطراتٌ من بحر رتّبتُها بترتيب جديد، وأضفتُ إليها ما نَبتَ بفضل هذه القطرات من ثمار تلائم حاجاتنا العصريّة. والتزمت فى ذلك المنهج الآتى: 1-أردتُ أن يكون الكتابُ جامعاً للمسائل الأساسيّة للبيوع على المذاهب الأربعة. والمقصود من ذكرها أوّلاً ليكون الكتابُ مُعيناً لأتباع كلّ مذهب بالقدر المستطاع، وثانياً أن تظهر الشّريعة البيضاء بوجوهها المحتملة، ويظهراختلاف الأفكار فى تفريع الفروع على أساس الكتاب والسّنّة، وليكون عَوناً للتّقنين، إن وفّق الله تعالى دولةً من الدُّول أن تطبّق الشّريعة الإسلاميّة فى مجال البيوع. وبما أنّ هذه المذاهب كلّها محتملة، كما سبق ذكره، فإنّى ذكرتُ أدلّتها فى معظم المسائل، ولم أتعرّض لترجيح بعضها على بعض، إلاّ فى بعض المواضع الّتى وجدتُ بعضها خلاف النّصّ الصّريح، أو وجدتُ أحداً منها أوفق بالظّروف المعاصرة. ولأهل العلم كلّ الحقّ أن يختلف رأيهم فى التّرجيح. 2-كذلك حاولتُ فى كثير من المواضع أن أقارن بين الفقه الإسلاميّ وبين القوانين الوضعيّة الإنكليزيّة، وقد ذكرتُ فى بعض المواضع قوانين فرنسيّة، أو سويسريّة أيضاً. والمقصود بهذه المقارنة أوّلاً هو تحذير المسلمين عند تطبيقهم القانونيّ المدنيّ السّائد من أن يقعوا فيما يُخالف الشّريعة الإسلاميّة، وثانياً أن يتّضح الفرق بين الاقتصاد الإسلاميّ والاقتصاد الرأسماليّ، وتتبيّن الحكمة الإلهيّة فى التّشريع الإسلاميّ. 3-حاولتُ عند الكلام فى كلّ باب أن آتيَ فيه بالمسائل المعاصرة المتعلّقة به، وفصّلتُ الكلام فيها، وذكرت جميع الاحتمالات الواردة فى تكييفها الفقهيّ، وقد ذكرتُ فى مثل هذه المسائل آراء الفقهاء المعاصرين حيثُما وجدتها، وذكرت ما انتهى إليه فكرى فى ذلك. 4-راعيتُ أن يكون ترتيبُه ترتيباً منطقيّاً يسهُل به الوصول إلى المطلوب من المسائل، فشرعت ببيان حقيقة البيع، ثمّ ببيان أركانه، وطرق انعقاده إما بالإيجاب والقبول، وإما بالتّعاطى، ثمّ أتبعتُه بمكان الوعد والمواعدة فى البيع والشّراء، وما يلتحق بالإيجاب والقبول من العربون وغيره، ويدخل فيه المزايدة والمناقصة. ثمّ ذكرتُ أحكام العاقدين وتراضيهما وما يفوّت التّراضى، وما يُستثنى منه. ثمّ ذكرتُ أحكام المبيع وما يُشترط فيه، وأحكام الثّمن وما يُشترط فيه، والطرق المختلفة لأداءه. ثمّ ذكرت شروط صحّة البيع التى تتعلّق بصلب العقد. ثمّ ذكرت التقسيمات المختلفة للبيع من الحالّ والمؤجّل، والسّلم والاستصناع، والمرابحة والتّولية، والمقايضة، وربا البيع، والصّرف، والبيع الصحيح الباتّ، والبيع بخيار، والبيع الباطل والفاسد والموقوف والمكروه، وأحكام كلّ منها. ثمّ ذكرتُ أحكام تدخّل الحكومة فى التّجارة الحرّة، فذكرتُ فيها أحكام التسعير والاحتكار وغيرهما, وفصّلتُ الكلام فى المال المكتسب بطريق محظور. ثمّ أفردتُ بحثاً مبسوطاً لمسائل الإيراد والاستيراد، وانتهيتُ إلى أحكام الإقالة. 5- حاولتُ أن تكون العبارة سلسةً سهلة خالية عن الإيجاز المخلّ أو الإطناب المملّ. ولهذا الغرض، لخّصتُ الأبحاث الفقهيّة من المصادر بما يسهل فهمه، ومع ذلك أوردتُ كثيراً من المسائل بنصّ المنقول منه، لخدمة أهل العلم. 6-اقترحتُ فى آخر الكتاب صيغةً لقانون البيع الإسلاميّ، ليُمكن الاستمداد منه لكلّ دولة وفّقها الله تعالى لتطبيق الشّريعة الإسلاميّة فى البيوع. وكلّ ذلك مع اعترافى بأنّه جُهدُ مٌقلّ، فإن كان فيه ما ينفع، فهو بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، وما كان فيه من قصور أو خطأ، فهو منّى ومن الشّيطان. وبما أنّى تعرّضتُ فى هذا الكتاب لكثير من القضايا الجديدة الّتى ليس لها ذكرٌ صريحٌ فى الكتاب والسّنّة، ولا فى كتب الفقه المعتبرة، وحاولتُ بالقدر المستطاع أن لا أدّخر جُهداً فى تحقيقها وتنقيرها، ولكنّه فكرٌ بشريّ يحتمل الخطأ والصّواب، وإنّما أعرضه على أهل العلم رجاءً منهم أن لا يضِنّوا عليّ بإشعارى بما هو خطأ واضح. أمّا اختلاف الآراء، فمجاله واسع، ولكنّى دائماً طالبُ علم، وملتمسُ حقّ. فما يظهر لى من الحقّ، لا أتردّد من الرجوع إليه إن شاء الله تعالى. ولايسعنى فى الأخير إلاّ أن أتقدّم بالشّكر والتّقدير لأخوين فاضلين من أصحابى، ساعدانى فى تأليف هذا الكتاب. أحدهما الأخ الفاضل الشيخ شفيق جاكهورا، حفظه الله تعالى، وقد ساعدنى فى بداية عملى لمدّة قليلة، ثمّ خَلفَه بعد ما سافر إلى إفريقيا الجنوبيّة أخوه الشّابّ الفاضل النّشيط الأستاذ شاكر جاكهورا، فإنّة لازمنى فى معظم هذا العمل، وساعدنى فى استخراج المسائل والنّصوص من مصادرها، ولم يألُ جهداً فى تيسير عملى هذا، وأعمالى العلميّة الأخرى. فجزاهما الله تعالى أحسن الجزاء، وبارك فى عمرهما وعملهما. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وينفع به الطّالبين والدّارسين، ويجعله ذخرا لهذا العبد الضعيف يوم لاينفع مال ولا بنون. وإنّه تعالى على كلّ شيئ قدير، وبالإجابة جدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلوة والسّلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

محمد تقى العثمانى
دارالعلوم كراتشى 12
شعبان المعظم سنة 1435 هـ 11 يونيو 2014 م

[divider style=”solid” top=”10″ bottom=”10″](1) وقد أوضحتُ فى كتابى “أصول الإفتاء وآدابه” أنّ التمذهب بمذهب معيّن فى عامّة الحالات أمرٌ ضروريّ للتجنب عن اتباع الهوى، ولكن ليس معنى ذلك أن يُحكم على المذاهب الفقهيّة الأخرى بالبطلان، كما أوضحتُ الحالات الّتى يُستفاد فيها من مذهب آخر.

Project Details