فاتّبعوني يحببكم الله

//فاتّبعوني يحببكم الله

فاتّبعوني يحببكم الله

فاتّبعوني يحببكم الله

تعريب لإحدی محاضرات صاحب هذه المجموعة قام به الأخ الفاضل الشيخ كليم الله بشينى المتخصص فى قسم الإفتاء بجامعة دار العلوم كراتشي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام علی رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإخوتي وأحبّتي! قبل كل شيئ ألفت أنظاركم إلى الغرض الذي نرمي إلیه من وراء اجتماعنا الشهري هذا، وهو أن نخصّ ساعةً للتّفكير والعناية بشأن تزكية النفس والاستعداد للآخرة، وكان الصّحابةُ رضي الله عنهم يجتمعون للغرض نفسه، كما قال سيدنا معاذ رضي الله عنه :
“اجْلِسْ بنا نُؤمِن ساعة”
وذلك فإنّ الإنسان في زحمة الشّئوون الدنيويّة والّتي تشغل معظمَ ساعاته ينسی أو يغفل العناية بأمور الآخرة وإلى ما يكون مصيرُه بعد الموت؟ وكيف يكون قيامُه بين يدي الرّب؟ وما ذا يجتنِى في الآخرة كثمرة لما قدّمت يداه في الأُولی؟ لذا فيحتاج إلى التّذكير مرّةً بعد أخری.
وبما أنّ التّوبة أوّل خُطوةٍ يخطوها من يريد التزّكية وإصلاح النّفس، لذا قدّمت عنها قبل شهرين محاضرةً مفصّلة وضّحتُ فيها أنّه لا بُدّ من التّوبة بنوعيها إجمالًا: الندم على المعاصي مع الاستغفار وطلب العفو، وتفصيلا: تدارك ما فاته من حقوق الله وما ضيّع من حقوق العباد. ثمّ بالتوبة يصفح الله عن المعاصي الماضية تماماً.
منشأ السّلاسل الأربعة في التصوّف:
الهدف المنشود من التّصوّف هو التّزكية وإصلاح الأعمال، ولتحقيق هذا الهدف أدوات ووسائل تباينت واختلفت باختلاف مرشد ومسترشد وزمان ومكان،كما أن وسائل علاج المرض الظاهري كثيرا ما تختلف باختلاف طريقة العلاج، والطبيب والمريض. والسلاسل الأربعة هي الطرق الأربعة التي أتقنها رُوّاد الإصلاح ومشايخ الطّريق، وجرّبوها، فلمّا رأوها أحسن وأنجح اختاروها لمسترشديهم، فعلموها إیاهم ولقنوها لهم ثم رتبت فيما بعد، فإذا به تتكوّن منها سلسلة ممتدّة. وهؤلاء المشایخ الأربعة هم: الشيخ شهاب السّهردوي، والشيخ عبد القادر الجيلانيّ، والشيخ معين الدين جشتي الأجميريّ، والشيخ بهاء الدين النّقشبنديّ، رحمهم الله جميعا. فالسلاسل الأربعة ليست بأديانٍ مختلفةٍ ولا مذاهبَ متشتّةٍ، إنّما هي طُرُقٌ أربعةٌ تُوصِل إلى هدف واحد وهو التّزكية وإصلاح النفس.
ثم لكلٍّ من هذه الطُّرُقِ قواعدُ ومقتضياتٌ یلتزم بها السّالكون، وكانت من جملتها مجاهدات شاقة للضغط على النفس ولإصلاح ما فيها من الغزائر.
التّجديد في وسائل التزكية:
ولكن هذه القواعد وضعت في عصرٍ ولعصرٍ لم تكن فيه الحياةُ متعقدة متشابكة كالرّاهن، ومثل هذه المجاهدات قلّما يتحمّلها إنسان اليوم، فكانت هناك حاجةٌ إلى التّجديد، فقيّض الله لهذه الخدمة الجليلة الشّيخ إمداد الله الهندي مولدا والمكي هجرة، وخلفائه وفي طليعتهم الشّيخ أشرف على التهانوي-رحمهم الله جميعا- فإنّهم لما شعروا بضعف القُوَی وعدم تحمّلها للمجاهدات الشّاقّة قاموا بتجديد التّصوّف من خلال تسهيل طرق التّزكية والإصلاح ۔
اتباع السنة عنصر بارز في سلسلة الشيخ المكي:
ثمّ لهذه الطّريق السّهلة عناصرُ وأركانٌ، من أهمّها اتّباعُ سنّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا كانت غيرها من الطُّرق حصيلةَ تجاربِ القوم فهي الطّريق الّتي ضمن الله لسالكها الوصولَ إلى أسنى هَدَفٍ يتصوّره البشر: حبُّ الله إيّاه، حيث قال:
﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ [آل عمران: 31]
وكان الشّيخُ إمدادُ الله رحمه الله يقول: من مزايا اتّباع السّنّة أنّها تُوصِل إلى المحبوبيّة، والمحبوبيّة إلى الجذب، أي من لزم سنّةَ النّبي صلى الله عليه وسلم فالله يحبّه ثمّ يصطفيه ويجذبه إلى نفسه، كما قال سبحانه وتعالی :
﴿الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾
[الشورى: 13]
معنی اتّباع السنّة :
أن نُؤدّيَ كل عمل حسب ما علمنا من النبي صلى الله عليه وسلم وحسب ما عمل به نفسه. وتحكيم السنة في جميع شئوون الحياة ليس مما يستحيل أو يتعذّر، فلقد عَلَّمَنَا له السّلفُ طريقاً سهلاً، وهو أن نبدأ الرّحلة ونخطو في هذا الصّدد خُطوتين :
الخطوة الأولي :غيّر الفكرة الحافزة على العمل :
فالأعمال الّتي تقوم بها صبحا ومساء يمكن أن تحوّلها من العادة إلى العبادة بمجرّد تغيير النّيّة والفكرة الحاثّة على العمل، مثلا قد یكون أحدُنا يأكل في غفلةٍ، فلا تكون له نيّةٌ إلّا إطفاءَ نار الجوع بما تيسّر من الملذّات والطّيّبات، فيتمّ أكلُه كعادةٍ، ومن المغنم أن يبقی كفافاً لا له ولا عليه، ولكنّه لو أكل بنيّة أداء حقّ النّفس المفروض عليه بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : “إن لنفسك عليك حقّاً” وأنّه لولم يأكل رغم توفّر الطّعام ثمّ مات جُوعاً، لكان منه انتحاراً يُعاقَب عليه في الآخرة، وأنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يأكل، وأنّه كان يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ويختم بالحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، فلو أكل بهذه النيّة وبهذه الطريقة لحصل منه اتّباعُ سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم.
كذلك عادتُنا أنّنا حين ندخل المنزِلَ نتحدّث إلى الأهل، فعلينا أن ننويَ فيه اتّباعَ سنّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلم أنّه كان يدخل المنزل فيتحدّث إلى أهله بطلاقة وانبساط، وربما بحديث يسُرّهم ويُضحكهم، كما حدّثَ عائشةَ رضي الله عنها بحديث أمّ زرع، والّذي يحتوي على قصّة إحدی عشرة إمرأةً، كلُّها تصف زوجها بأسلوب جزل رشيق، (والحديث بتفاصيله في صحيح البخاري)
كما أننا نداعب الأهل ونمازحهم ونضاحكهم لاهين غافلين، فلو ففعلنا ذاك بنية اتّباع سنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم المتضحة من الحديثين التّاليين لاعتُبر ذاك اتّباعاً للسنّة المطهّرة على صاحبها الصّلاة والسلام، والحديثان :
(۱)تقول سيّدتُنا عائشةُ رضي الله عنها :
وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» حتى إذا مللت، قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «فاذهبي»
(2) و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقا، وخيرُكم خيرُكم لنسائهم»
كذلك نعلّل الصّغار بأفانين من الضّحك والمداعبة رحمةً علیهم وتفريحاً للقلب، فلو فعلنا ذاك بنيّة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم كان يرحم الصِّغارَ ويعطف عليهم، كما كان في قصّته مع ريحانتيه الحسنين ما يرويه لنا أبوداؤد بإسناده عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال:
“خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل الحسن، والحسين رضي الله عنهما، عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثمّ قال: “صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، رأيت هذين فلم أصبر”، ثمّ أخذ في الخطبة.”
الحاجة إلى التدريب والترويض:
وكان مرشدي الدكتور عبد الحي العارفي رحمه الله يقول :
“مازلت أروض نفسي على ذلك سنين عديدة، کلما تاقت النفس إلى الأكل من شدّة الجوع، ووُضِع الطّعامُ علی ألذّ ما یکون، اشتهى القلب أن أبدأ من فورِى، ولكنّي أُمسك وأتوقّف لِلَحْظَةٍ، فیها أُحضِر نيّة: أنّها نعمةٌ من الله، ولنفسي عليّ حقّ أن أطعمها من المأكل الحلال، والنّبي صلى الله عليه وسلم كان يتناول الطّيّبات فيحمد عليها الله، فمن الفور تنشأ في النفس نيّة الاتّباع، فأبدأ آكُلُ اتّباعاً للسنّة المطهّرة وأداءً لواجبٍ شرعيٍّ.
وهكذا أدخل المنزل، فيُعجبني الطّفلُ يلهو ويلعب، فأريد أن أحتضنه ولكنّي أتوقّف ساعةً وأستحضر نيّة: أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرحم الصِّغارَ ویغمرهم بالعطف والحنان، فإذا حضرتنی أقبل فأحضنه، اتّباعاً لهذه السنّة المطهّرة، فأسفر ترويض وتدريب سنواتٍ عديدةٍ عن ملكة ترسّخت في النّفس ولله الحمد، فلا تحضرني حتّی في مثل هذه الأعمال العاديّة إلّا نيّةُ اتّباع السّنة المطهّرة على صاحبها ألفُ ألفِ صلاةٍ وسلامٍ۔
لذا فلنصمّم العزمَ على أداء كلّ عملٍ بهذه النيّة، لكي نصبغه بصبغة السنّة المطهرة، فنُؤجَر عليها لدی الله إن شاء الله، فلو كنّا قبلا نذهب إلى محلّ التّجارة في غفلةٍ، فلنقصد منذ الآن بالتّجارة والاكتساب القيام بأداء حق النّفس والعيال المفروض شرعا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة”.
هذه التوضیحات كلّها كانت عن الخطوة الأولی التي تخطوها في صدد اتّباع السنّة المطهّرة.
والخطوة الثّانية :
أن تقتنيَ كتاباً يحتوي على بيان سنن الرّسول صلى الله عليه وسلم في جميع شؤون الحياة من شخصيّةٍ واجتماعيّةٍ ومنزليّةٍ وخارجيّةٍ وما إلى ذلك، ثمّ تسرّح النّظرَ فیه و تَعرِض حياتَك وما تؤدّيه من أعمالٍ وروتينيات علیه استعراضا لما تقوم بها من السنن وما لم تقم بها بعد، فترتّب لائحة عن السّنن الّتي مازال يفوتُك بها العملُ، ويمكن أن تَجِدَها على نوعين :
(۱)السّنن الّتي لا تجد أيّةَ صعوبةٍ في العمل بها فوراً، فعلیك بها منذ اللّحظة، مثلاً مر بك أن من سنن الخلاء أن تدخل المستراح بحيث تُقدّم الرِّجْلَ الیُسری قائلاً: اللّهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، وفي الخروج تُقدّم اليُمنى حامدا الله سبحانه وتعالی، فهذه سنّةٌ لا صعوبةَ في اختيارها والعمل بها منذ اللّحظة، فعلیك بها وبأمثالها من فورك من دون أيّ تريُّث وتأخُّر .
(۲)ولعلّك تجد صعوبةً في العمل ببعض السنن، فعليك أن تبدأ المحاولة فیها سائلاً الله عزّ وعلا أن يُزيحَ العوائقَ الّتي تتشكّل عراقیل في سبيل القيام بها. ولقد ضَمِنَ الشيخُ التّهانويّ رحمه الله لمن بدأ بعض العمل، وسأل الله التّوفيقَ للباقي أنّه إذا دام على هذا واستمرّ، فلا تمرّ عليه أربعون إلّا وسوف يجد في قلبه تغييراً ملموساً من الفساد إلى الصّلاح ممّا من شأنِه أن یسهُل له القيامُ بجميع السنن إن شاء الله.
إيّاك والتسويف :
التّسويف أكبر حاجزٍ یحرمنا من عملٍ كلُّه خيرٌ وبركةٌ، قد يمرّ بقلوبنا خاطرُ العمل أو نجد فيها حافزاً على الصّلاح، فنتركه إمّا استصعاباً أوتسويفاً وتأجيلاً له إلى الغد أو يوم كذا وكذا . فحذار حذار من التّسويف والتّأجيل في عملٍ مرّ ببالك خيالُه أو وَرَدَتْ في قلبك فكرتُه أن تترکه؛ فإنّنا لا ندري أيأتي علینا غدٌ أم لا ؟ ولو جاء فهل نجد نفس الحافز أم لا؟ ولو وجدنا فهل تُساعدُنا الصّحّةُ للقيام بها أم لا؟
الصّحابة واتّباع السنّة :
الصّحابةُ بلغوا من التُّقَی أَوْجَهُ، ومن الصّلاح ذروتَه، ومن الخير كمالَه، ومن الرّضی سنامه؛ وكلّ ذلك لأجل حرصهم الشّديد على اتّباع السنّة المطهّرة، فلم يعثروا على سُنّةٍ إلّا وتقلّدوها من دون أن يكون هناك مجالٌ للتّسويف والتّأخير. وأخبارهم شاهدةٌ علیه خير شاهد، إلیكم منها قصّة عجيبة:
عن جابر رضي الله عنه، قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، قال: «اجلسوا»، فسمع ذلك ابنُ مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تعال يا عبد الله بن مسعود».
الإمام السّرهنديّ واتّباع السنّة :
يقول الشيخ أحمدُ السّرهنديُّ رحمه الله:
“لا أزال أدعو بدعاء أرجو أن یمنّ عليّ وعلی من یؤمّن علیها بالنجاة بسببه، وهو: اللهم أحيني متّبعاً للسنّة، وأَمِتْني متّبعاً للسنّة واحشُرني على اتّباع السنة.”
فاتّضح من غضون هذا المقال أنّه لا عداد بالكشف والكرامات تجاه العمل بالسنّة، فالشّیخ كان من الكشف والكرامات بمكانٍ، ولكنّه مع ذلك يتمنّی ويتوقُ إلى اتّباع السنّة حيّاً وميّتاً والحشر علیها يوم يُحشر النّاسُ على ما ماتوا .
حرم الشيخ التهانوي وعنايتها باتباع السنة:
يقول الشّيخ التهانويّ رحمه الله :
“منذ أيّامٍ كنت أجد في طعامي الدُّبّاءَ، فسألت عنها زوجتي: فقالت:
كنت قرأتُ في كتاب أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم كان يُحبّ الدُّبّاءَ، فأمرت الخادم أن يأتي لي أيضاً بالدُّبّاء کلّما وَجَدَه في السُّوق، لكي نطبخ ما أحبّه النّبيُّ صلّى الله عليه وسلم.
فاهتزّ كياني لعنايتها البالغة بسُنّةٍ عاديّةٍ وعلى تفريطنا في كثير من السّنن رغم أنّا درسنا الأحاديث والسِّيَر وعرفنا السُّنَنَ والشّمائل بفروعها وتفاصيلها!
فشمرت عن ساعد العزم وراجعت جميعَ السُّنن، ثمّ استعرضت في ضوئها حياتي، فبدأت العمل بما كانت تفوتني منها، واستغرق عملي ذاك ثلاثة أيّام.
خلاصة المجلس:
إنّ اتّباع السنّة لها مكانة سامية في إصلاح القلب وتزكية النّفس بالإضافة إلى أنّه يُوصِل بسُرعةٍ إلى محبوبيّة الله، لذا فعلینا به من خلال تغيير الفكرة الحافزة على العمل أوّلاً، ودراسة كتاب السُّنن والشمائل ثانياً، واستعراض الحياة في ضوئه و العزم على تحكيم السنّة في جميع شئوون الحياة ومجالات العمل ثالثاً.
وفقني الله وإيّاكم للعمل بالسنّة المطهّرة واتّباعها أحياء وأمواتا.

بواسطة |2019-05-18T15:14:28+05:00مايو 2nd, 2019|تزكية وتربية|