بسم الله الرحمن الرحیم
ذِكريات
بقلم العلامة الفقيه محمد تقي العثماني –حفظه الله تعالى-

نقلها إلى العربية:عبدالوهّاب سلطان الدِّیروي
جامعة دارالعلوم كراتشي

(سلسلة ترجمة و تعريب (ذكريات)  لشيخنا العلامة العثماني- حفظه الله تعالى – ،  قد تفضل سماحته بتسجيل ذكرياته العطرة التي تُغطي حَوالي نصف قرن وما يزيد من  حياته المعمورة بالأعمال الإبداعية الموفقة في شتى مجالات الحياة المعاصرة المتحركة.

قد كان الإلحاح على الشيخ دائما مستمرا من ذويه ومحبّيه في أنحاء المعمورة لتدوين ذكرياته ، ولکن أبى الشيخ المتواضع أن يرى نفسَه تليق أن تُذكر في سجلات الذكريات والتراجم ، إلى أن قيّض الله تعالى العلامةَ “أحمد الخانفوري” الهندي ليقنِع شيخَنا العلامة بذلك ، فقام بفتح هذه السلسلة الشيقة من ذكرياته نزولًا عند رغبة العلامة الشيخ الخانفوري حفظه الله تعالى وسائر تلاميذه وأحبّتِه، ولَينفض به غبارَ اللبس عن وقائع من حياته،  قد اشتبهت ملابساتُها على بعض الأفاضل المترجمين لحياتِه والمعنيين بذكر جهوده وأعماله مُسبَقًا.   وقد شرعنا في ترجمة حلقاتها المنشورة في صفحات “مجلة البلاغ الأردية” إلى اللغة العربية ، بإذن شفوي من صاحبها قبل ظهورها إلى حيز النشر ،جزاه الله تعالى عنا كل خير ، و نفعنا بعلومه و بركاته۔ المترجم)

٭٭٭٭٭٭٭٭٭

على الرغم من انتمائي الديوبندي منهجًا و مسلكًا ، فإنَّ التصریح بعزو نفسي إلى ديوبند في خطاباتي أو كتاباتي ، تمثّلا بهذا الانتماء۔۔۔ أمرٌ كان ولم يزل يحِزّ في قلبي ؛ لأني أجد في هذا العنوان شُمّةً من الطائفیة ، وإن بعض الناس يجرّهم هذا الشكل من العناوين إلى سوء تفاهم بالنسبة  للمنهج الديوبندي ، فيزعمون أن الانتماء الديوبندي يمثِّل فرقة من الفرق التي حادت عن السواد الأعظم للأمة ، وشقت لنفسها طريقًا فكريًا غير طريق المسلمين ، والواقع أن العلماء المنتمين للجامعة الإسلامية (دارالعلوم ديوبند)  و مدرستها الفکریة يفسّرون الكتاب و السنة النبوية المطهرة تفسيرًا وسطيًا متّزنًا  لم يزل متوارثا في هذه الأمة منذ أربعة عشر قرنا.

إنهم لم يُحدِثوا طائفةً جديدةً ، بل كانوا ولم يزالوا  متمسّكين بكل ما كان عليه جمهور الأمة من عقائد و  أعمال ، عاضّين عليها بالنواجذ.  نعم ، كلَّما  ثار حولهَا نقعٌ وغبارٌ، حاولوا إزاحته بالحكمة و العقل ، الأمر الذي سوّغَ لبعض من معاندِيهم أن يُثيروا حولهم شبهاتٍ ، لا قِبلَ لهم بها ، و صوّروهم و لكأنما هم فرقة محدَثة ، و ما هم كذلك، وألصقوا بصورتهم المشرقة من التهم و السلوکیـات غیرالمعتدلة ما هم عنها براء.

ولقد ألَّف في هذا الموضوع حكيم الأسلام العلامة الشيخ القارئ محمد طیب –رحمه الله تعالى- ([1])كتابا باسم :(علماء ديوبند عقيدة ً و منهجاً)،([2]) وهو أحسن ما یشرح رؤية علماء ديوبند و منهاجهم العلمي المتزن و المتوارث ، كما زدتُها إيضاحا في مقدمته ، ولكن الذي يهمّني هنا هو أني و إن كنت أعتبر سادَتنا علماءَ ديوبند قدوةً لي في شئون الدین ، إلا أني أتكفكف عن القول بأني (ديوبندي)؛ لأني أجد فيه رائحة من الانحیاز الطائفي ، و مهما يكن، فإني على كلِّ حالٍ (ديوبنديٌ مولدًا)، و إني لَأحتسب على الله تعالى  سعادة ً، بفضل منه و كرمه ، أنه أكرمني بالولادة في قریةٍ كهذه، حيث أنجبت (جامعةُ دارالعلوم /دیوبند) جِبالًا شامخاتٍ  من العلم والمعرفة، والعزيمة والاستقامة،، والفضل والعِصامية ، ممن يندُر نظيرهم نُدرةَ الكبريت الأحمر في هذه الآونة الأخيرة…

سلالةٌ منحدرةٌ من صلب سیدنا عثمان-رضي الله عنه

وكان أجدادنا في  ديوبند معروفين بلقب (مياں جي)، وكان هذا اللقب يحمل مدلولًا خاصًا ، وقد  شرحه والدي الكريم رحمه الله تعالى كالتالي:
” الذي يبدو لي أن أساتذة الكتاتيب المنتشرة في القرى و الأرياف يومَها كانوا يُدعَون بهذا اللقب: (مياں جي) ، و كانت هذه الكتاتيب توفِّر بعد مرحلة تعليم القرآن الکریم ، تعلیمَ المواد التالية: الأردية ، الفارسية ، الحساب ، و كان هذا التعليم بمستوى أفضل مما هو سائد الیوم باسم المرحلة المتوسطة في الأساكيل العصرية ، و اللقب المذكور ، علاوة على دلالته علي الأساتذة المتزودين بالعلم الشرعي ، كان يعني أن صاحبه متسم بالسلوك الحسن ، تماما كما عُرف إطلاقُه على أمثال (مياں جي نور محمد) وهو شيخ حضرةِ الحاج إمداد الله المهاجر المكي ( رحمة الله عليهما) فی (لوهاري) ، و (مياں جي منى شاه ) الذي كان معروفا بكشفه و كراماته في ديوبند”

و قد قال سماحة والدي رحمه الله أيضا:
” لم يبلغني  سجلّ ثابت و موثوق به في خصوص سلسلة نسب أسرتي ، و لكن الشريعة لم تشترط  لإثبات أمورٍ كهذه اتصالَ السند ،و اعتبرت استفاضة الخبر على ألسنة آباءها كابرا عن كابر  كافيا لإثبات النسب ، و قد سمعت من كبار أسرتي بتواتر أن أسرتنا منحدرة من سلالة سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه “([3])

الميلاد ، تاريخه وملابساته:

قد أبصرت نورَ الوجود لخمس (۵) خلون من شوال عام ۱۳۴۲ من الهجرة ، كما ظفرت بهذا التاريخ نفسه في مذكرات والدي المفضال رحمه الله تعالى.
وحيث کان من السائد یومَ ذاک تسجیل التواریخ وفق التقویم الهجري ، فإني لم أجد تاريخ مولدي بحساب التقويم الميلادي ،  لكن قد توصلنا  بعدُ في ضوء حسابات مختلفة أنه يوافق الثالث(۳) من أكتوبر عام ۱۴۴۳من المیلاد، و بمناسبة ولادتي فقد سمعت من والدتي و إخوتي أني كنت قد وُضعت يوم ولادتي على بساطٍ ، قد سقطت عليه حية من جهة السقف ، و لولا أن أهلي قد تمكنوا من إبعادها عن بساطي ثم قتلِها لما كان وجه هذه المعمورة قد شهد من سيئاتي ما شهد۔۔۔۔۔!

وعلي كلٍ ، فإني لم أجد من عمري ما أقضيه في قرية ديوبند  إلا أربعة أعوام و سبعة أشهر (من شهر أكتوبر ۱۹۴۳ء  إلى  شهر مايو ۱۴۴۸ء)، و کانت هذه الفترة من عمري هي فترة الصبا التي لا يتفتّح فيها وعي أطفال مثلي على ما وراء عالَم ألعابهم الصغير الذي ينسجونه حول أنفسهم ، في غنىً تام عما یحدث خارج هذا العالم ، الفترة التي عادةً مّا ينسى الناس أحداثها عندما يكبر بهم السن ، ولكني أتذكر حتى يومي هذا من أحاديثها و أحداثها ولكأنها ماثلة  للعيان .

قريتي و مسقط رأسي :ديوبند: جمال البداوة و بداية الحضارة

إن هذه الذكريات راجعة إلى  الأيام التي لم تكن قد شهدت فيها  بيوت (منطقة ديوبند)  كهرباءَ ، و لا مِروحةً ، و لا حنفياتِ ماء جاريةً ، ولا زيتا ، ولا مواقدَ الغاز، وإنما كانت هي الشمَعات أو الفوانيس(نوع من مصابيح الزيت ) التي ظلّت تحلّ محلَ قماقم الكهرباء، و تفعل فعلَها، و كانت المياه تُدَّخر في دِنان مصنوعة من الخزف و الفخار، أو في جِرار من النحاس، و كان غالبامّا يستخدم الناس رجلاً سقّاءَ لادّخار الماء فيها، حيث كان يحملها  في سِقاء( قِربة كبيرة) من الجلد على ظهره ، و يوزّعها على بيوت الأهالي، وإن كانت ثمة منطقة عصرية راقية ، و متسمةً بشئ من الأناقة ،فإن أكثر ما كانت تستطيع أن تتميز بها عن غيرها: هو أن تُجري عمليةَ ثقب(Boring) فيها ؛ لتركيب  أُنبوبةٍ من الحديد  مشتركةٍ ،  ليتمّ به استخراج الماء بواسطة تحريك قبضته اليدوية تحريكا شديدا، تارة إلى جهة الأعلى ، و أخرى إلى جهة الأسفل ، و تستمر هذه العملية إلى حين ملأ السطل أو الكوزة الموضوعة أمام فم الأنبوبة، و كانت هذه العملية ، علاوةً على توفير الماء بهذا الشكل ، توفِّر فرصة ً لترویض کلتا الیدَین ، بل وترويض البدن کله!

وبحكم سنيّ الصغير الذي لم يعُد بعدُ لِيُطيق هذه الرياضة الكبيرة ، فإن أكبرَ متعة  ٍ كنتُ أجِدها يومئذٍ، هو أن أتمتع بمشهد  هؤلاء الناس ،و هم يتأرجحون بمقبض هذه الأنبوبة ،و لكأنها أرجوحة مربوطة  لهم خاصةً ، و کانت تُستخدم “الشِربات”(أواني کالجِرار أوالقَشاشية ) لِشرب الماء ، و التي طالَما کانت تضربها صفعاتُ السموم، فتُصبِح باردةً سائغة ً للشاربین، و لم يكن قد حصل للناس یومَئذٍ عهدٌ  بمراوح كهربائیة،  وإنما كانت المراوح هي مراوح اليد الخاصة، والتي  أتذكرها و أتمناها بشدة متناهية حتى  اليوم كلما غابت الكهرباء.

وفي شهر يونيو عندما كان  يحين موعد حلول موسم الحر،  و عندما تغدو جدران الحي و لكأنها تتفجّر حَرّاً، و الطرقات تتنفس الحرارة الشديدة ، وتتقيأ السموم، فيأتي سقّاء (حمّال الماء ، وكانو يدعونه ب :(بهشتي) أو (ماشكي) ،في اللغة الهندية) ،ويرشّ الأرض بالماء من قِربته ، فيقوم أحدنا ، و يسعى جاهدا لجذب موجاتِ الهواء المحبوسة في الفضاء تجاهَ وجهه بمروحةِ يده،  فيُحسّ معها بشمّةٍ حلوة من الطين المبلولة برشاشات الماء ، کما یجتهد لِیستمتع في نفس الوقت  بلمساتها الباردة قدرَ المستطاع .

و في نفسِ الموسم ، عندما كنت أستلقي مع والدتي الفاضلة على سرير منسوج من أحبال المسد،۔۔۔۔۔۔۔ فلم يكن ليحول بيني و بين السماء المملوءة بالنجوم اللامعة، أي ستار من الغاز، و البترول ، و دِيزل، كما لم يكن ثمةَ أي ضياء منتشر في حدود الفضاء الفسيح ليحجب عني نورَ النجوم ، أو يجعل أصغرَ نجمٍ في وسط السماء أن يضمحلّ نوره، فلا أراه، أبداً !  شئیٌ من کل ذلک لم یحدُث قط، و هكذا كنتُ أرنو  إلى الشبكات المنتشرة من المجرّات ، السابحة وسطَ النجوم المتلألأة في كبد السماء ، مستمتعاً بها و بالبياض الظاهر المتفجـّر منها ، و ربما إلى وقت متأخر من الليل ، حتى يُخيم النوم على عيني ، فأغيب في واديه.

و كان شعورنا –نحن الأطفال- أن هذه السلسلة من النجوم إنما هو طريق بسطها الله تعالى لسير الملائکة عليه ،فكنت أبقى  أتخيل الملائكة و هم ينتقلون بين هذه الطرقات ، حتي يغلبني النوم ،فيؤيني بین جناحيه.

أسرتي و أعضاءها:

و إني لأودّ أن أدخل في صميم ذكرياتي ، و أفتتحها بشتات من أحداث الطفولة ، ولكن هذا يستدعي أن أذكر  طرفاً وجيزا  من أعضاء أسرتي يومَها قبلُ   :

لمحات عاجلة من سيرة والدي الكريم الجليل رحمه الله تعالى :

لا أراني أحتاج إلى التعريف بوالدي المفضال العلامة المفتي محمد شفيع -رحمه الله تعالى-، لأنه أعظم من أن أُعرّف به، بل أنا الذي  عُرِفتُ به ،( [4])، و لاغروَ، فأنا به و منه و إليه، فإن كان فيّ شئ اسمه الخير ، وفقني الله له،  فهو غيض من فيضه، وإن كان مِن شرّ فمِن أجل التقصير في الاستفادة من مجالسِه، و الاستقاء من معينه، و على أي حالٍ، فما بي من شئ، فالفضل فيه راجع إليه ، تماماً کما قال الشاعر الفارسي(ما في معناه):

(إن كنتُ أسودَ القلب، فأنا شِية في حديقة أزهارك
و إن كنت واسعَ الجبين فأنا زهرة مِن ربيعِك)

و مِن ثمّ فإن ذكراه ستتكرّر في غضونِ ذكرياتي هذه، من حينٍ لآخرٍ.

منذ أن أبصرتُ نورَ الوجود ، و تفتّح وعيي على الحياة ، وجدتُ والدي المفضال رحمه الله تعالى بين أحدِ الأمرين :  على الرغم من استقالته مِن منصب رئاسة الإفتاء و مهمة التدريس في جامعة دارالعلوم /دیوبند ، إلا أنه كان يدرّس بعضَ الطلاب في بيته، و كانوا يحضُرون عند والدي المفضال بطلب ٍ خاصٍّ منهم ، لِيتشرفوا بالتَّلمَذَة على سماحته، الأمر الذي يسمّى في عصرِنا بالتدريب (Coaching /Tuition)،ولكن الفارق الكبير بين هذا وذاك أن هذا الأخير الذي استحدثه عصرُنا يكون ذريعةً لجلبِ دَخلٍ كبير بالنسبة للمدرِّس، بينما الأمر في المدارس الدينية كان و لم يزل على العكس تماما، حيث تهيمِن على الرابطة المتبادلة بين الأستاذ و التلميذ صِبغة قوية من الإخلاص و التطوعية، وبالتالي فإنّ الطالب الذي لا يتشبّع بالدرس في حدودِ الفصل، فإن الأستاذ لا يضنّ عليه أبدا بالتعليم خارجَ حدودِ الفصل، لا لشئ، و لکن لِيوفّيه حقَّه من العناية ،و إن الاستيعاضَ عن هذا التعليم يّعدّ عيباّ أيما عيبٍ في الأوساطِ المدرسية الدينية مهما كانت حالة الأستاذ الاقتصادية منحطّة و هابطة، و على هذا الأساس و بهذه العاطفة و الحماس كان والدي الكريم- رحمه الله تعالى- يهتم بتعليم أولئك الطلَبة في بيته أو مسجدِ حيّه.

و كان مسجدُ حيِّنا يُسمىّ (آدینی مسجد)،([5]) و لکن جرت ألسنةُ العامة من أهلِ المحلة بمناداتِه “(ديني مسجد) أي المسجد الديني، و كان جدّي الشيخ محمد يسين رحمه الله تعالى “متولّيا” لهذا المسجد،([6]) ثم خلفَه مِن بعده والدي الماجد -رحمه الله تعالى-، فكان يُلقي فيه  الدروسَ كذلك في بعض الأحيان۔

و الأمرُ الثاني (الذي وجدت والدي الماجدي يشغَله منذ البداية) هو الكتابة والتأليف، فكان ذلك هوايته الدائمة، حيث وجدته في أكثر أحيانه وهو يكتب ، حتى في أثناء الليل و فی موسمِ الحر، حانَما كان يُعلّق في صحنِ بيتنا “قنديل” لبثِّ الضوء في الأرجاء ،كان يتراءى لنا سماحة الوالد -رحمه الله تعالى- و هو يغمِس “قلمَه الخشبي”(و كان يُدعى “كلك كا قلم” ) في المحبرة ، و لا يفتأ يكتب ما شاء الله أن يكتب، و لم يكن العصرُ يومَئذٍ قد شهد هذا القلمَ المتطور(فاونتين).

عدا ذلك، فلقد كان اتخذ لنفسه غرفة صغيرة إلى جنب مجلسِه في البيت، و كنا ندعوها (الحجرة). و هي کانت موضعَ عبادته، يخلو فيها مع ربه، فربّما كنا نسمعُه فيها وهو يذكرُ الله تعالى و يتلو في آناء اللیل و آناء النهار۔

و أنّى كان لي يومذاك كطِفلٍ حديث السنّ أن أتعرّف على المستوی الرفیع الذي الذي كان عليه  حضرة والدي من الكمال العلمي و العملي، هيهات أن أذرع مداها ! (و لا استطعتُه حتى الحين كما ينبغي أن يكون )، و لكن الأمر الذي استطعت إدراكَه حتما، هو أن والدي المفضال كان يمثّل لي مركزَ ثقلٍ وحيدٍ  للوُدّ و التبجيل في حدودِ ذلك الكون الصغير الذي عشتُه، و نسجتُه من حولي، و إنّ والدي کان هو الاخر  يُعيرُني من حبّه الشئَ الکثیر، وكان لسائر إخوتي الكبار حظ مِن حبّه، كما ذاقو من تأديبه،  و لكن ما وقع في نصيبي كان هو الحبّ أولا و آخرا،و قد حدث ذات مرةٍ أن رحلت مع والدتي الفاضلة إلى مدينة  (لاهور) لزيارة شقيقي الأكبر ، فراسلَ أخي قائلا:

(بدون محمد تقي –سلـّمه- فإنّي یعزّ عليّ مرورُ الأيام ، و قطعُ الأوان )

و في إبّان فترةِ بقائنا في منطقة  ديوبند لا أتذكر من رَحلاته إلا رحلةً إلى مدينة (مدراس) ، و قد شقّت علي مفارقته للغاية، و زاده بلّةً حادث آخر، ذلك: أنّ والدي المفضال لما قفَل عن رحلته، وقد كنتُ أقنعتُ إخوتي مسبَقا بعدَ إلحاحٍ مُضنٍ، أن يستصحبوني إلى محطّة  القطار لاستقبال الوالد الكريم، و علاوةً علی الحنین الزائد إلى متعة استقبال والدي المفضال رحمه الله تعالى -و كانت الحافزَ الأكبر لهذا الإلحاح-  فإنّي كنتُ إلى ذلك أُكِنّ في نفسي الاستمتاع بمتعتَين أُخرَيَين : إحداهما التمتع بمركب (عربةِ الحصان) الذي طالَما حلُمت به ، و الذي قلّما كانت تتسنّى لنا فرصة لركوبها، لأني كنت أقطع المسافاتِ القريبة مشياً، والمسافاتِ المتوسطة مع والدتي الفاضلة في (الحَجَلة) ، ولم يكن من المتوقَع أن نُحدِث سفراً إلى جهة بعيدة كالمحطة، فكانت  الرحلة عبرَ (عربة الحصان) أمرًا حتمًا هذه المرة، و كان في المحلّة رجل هندوكي صاحب العربة، و يُدعى (پهگو) ، و كان من اللازم احتجازُ عربته مسبَقًا في حالةٍ كهذه، و قد فعلوا ذلك ، وبعدَ كل هذا ،كنت أرتقب رِحلةً كرحلة الملوك عبرَ هذه العربة، و كان يُمثِّل لي منظراً بهيجاً لم يزل يرواوِد مخيَّلتي آنَذاك ۔ و المتعة الثانية كانت تتمثل في  (محطة القطار) ذاتها، حيث لم تكُن بالنسبة لنا أقلَّ من (منتَزَهٍ) من المستوى العالي، و كانت فرُص الاستمتاع بزيارتها شبهَ النادر المعدوم في عامة الأحيان، وبكل هذه الاعتبارات فإن هذه الرحلة المرتقَبة كانت تمثِّل لي موطِنَ فرَحٍ و سرورٍ بالغَين۔۔۔

ولكن حدَث في ذات الساعة التي حانَ فيها رحيلُنا ما كدَّر صفوةَ هذه الرحلة و حرَمني متعتها، ذلك أنَّ يدي احترقت بسببٍ لم تُعلَم جهته، فأوقفوني في البيت للمداواة، و حُرِمت الذهاب إلى المحطّة، و كان هذا الحِرمان يجمَع في طيّاته العديد من  “الحِرمانات”، و من ثم لم تخرج عن بالي حتى اليوم تلك الحسرَةُ  التي تذَّوقت ويلتَها يومَئذ، و لكن تلا  موقفَ تلك الحسرة موقفٌ آخر، لا یسعَنی أن أنساه حتى الحين،وكان موقفاً ملؤه المتعة و المسرّة، حيث كان من أمرِ  والدي المفضال رحمه الله تعالى أنه ما إن دخل البيت ، و قَبلَ أن يلتفت إلى شئ آخر: ناداني لتوّه، و هروَل نحوي مندفعاً ليضمّني إلى صدرِه، و لكأنّي به بتلك الحالة حتى اللحظة ،   و أتخيّله على ساحة ذهني و هو آخذ بي، في ظلالِ نورِ “القنديل” الضئیل لیلاً، بتلك اللحية الكثّة السوداء،وبذلك الوجه الذي يتلألأ فرَحاً، و تتفجـّر أساريره حبّاً۔۔۔!!!

أمي الفاضلة رحمها الله تعالى : ملاك العطف و الحنان

كانت أمي الفاضلة صاحبة الفضيلة /السیدة نفیسة –أمطر الله تعالى عليها مِن سحائب رحمته- أمّا مثالية ، و صاحبةَ بيت مثالية مِن النوع الأهلي التقليدي، كانت تنتمي إلى أسرة (أنصارية) معروفة في قرية ديوبند، و لها آیات و أحاديث في مساندةِ سيدي الوالدي الكريم في الضراء و السراء، حتى أوفته حق الرِفاق في درب الحياة ، و الحديث عنها ذو شجون ، و هو موضوع برأسه  ، و لقد سبَق أن  كتبت مقالةَ  رثاء ٍ إثرَ  رحيلها و  قد ضُمَت إلى سلسلة مقالاتي المطبوعة باسم (نقوش رفتگاں) (آثارُ الراحلين) ،و ككُلٍّ، فلقد کانت –الوالدة الكريمة- هي الأخرى سیدة عابدة زاهدة،  لم تفُتها قراءةُ نصیبٍ مِن أورادِها اليومية  من القرآن الکریم و الذکر و النفل طوالَ حیاتِها ما دامت واعيةً  أو تُحسّ  رِكزًا.

و أما بالنسبة لنا فلقد كانت ملاكًا مِن العطف و الحنان، و هبت لصالحِنا كلّ أوقاتِها ، حتى ظلّت تواصل الليل بالنهار ، و الصبوح بالغبوق ، ساهرةً علی إشباعِ حوائجنا، و توفية راحتنا، مؤثرةً إياها على حسابِ نفسِها دائما ، فلا تكاد تأخذ حتى قسطَ نفسِها من الاستراحة ،و مهما يكن نصيبُ حبّها سواسيةً لِجميع أولادِها ، فإنّي –و لِكوني أصغرَهم سنّا- قد نالني من حبِّها و دَلالِها الحظ الأكبر،و كان من نتيجة هذا الدلال أني لم أزل أتعاطي الطعام مِن يدَيها ، فلا أكاد أكل ما لم تناوِلني بيدَيها لقمةً لقمةً، عدا ذلك، فإنها –الوالدۃ الکریمة- کلما ارتادت بیتا في الجوار، فلم يكن مِن المتصوَّر أن أتخلى عن مصاحبتِها ۔

ولم یکن في الحسبانِ أيامَنا تلك استحداثُ مراكب آلیة مِن نوعِ السيارات وغيرها في قرية مثل ديوبند، و لا عسى أن يكون  لأحدٍ لم يتجاوز ثغورَ هذه القرية أيُّ عهدٍ  بمشاهدتها، كلّ ما كان ثمةَ مِن مَركبٍ بمتناولهم ،فهو عربة الحصان التي يستخدمها الناس لقطع المسافات الداخلية، على أنها –هي الأخرى- إنما كانت تخصّ الرجال ، و يُعاب على النساء ركوبها ،و إن تسترت بالحجاب، إلا اللهم أن تحدث حاجةُ سفرٍ إلى جهة بعيدة ،  يشقّ السفر إليها بدون العربة، فيَتمّ حينَئذٍ إسدالُ ستائر على العربة ،بحيث يحيط بها من جهاتِها الأربعة، فتركبها النساء المتحجبات ، و يقعدن داخلَها ۔و أما وسيلة التنقل بين المحلات غير المتباعدة، فکانت هي  الحجلة أو الهودج، و كانت تسمى في لغة أهلِ ديوبند ب( ڈولی).

وكان يحمِل هذا الهودج رجلان على أكتافهما ، و كانو يدعون حامِله (كُهار)، فكلما دعت الحاجةُ سيدةً من أهل الحي إلى الهودج ، وضعَه (كُهار) في حدودِ بيتها، و خلى بينه و بين السيدة ، و ذهب خارجا،  فتقعد هي فيه، و ربما تضع إلى جانبِها حجرا ، بهدفِ أن لا يتنبّه الحامل (كُهار) لمدى ثِقل السيدة و وزنِها الحقيقي أثناءَ الحمل، و قد يحدو الصبيانَ شوقُهم إلى التمتع بمركب ” الهودج ” بمصاحبة أمهاتهم ، فيغنيهِنّ ثقلُهم عن وضع حجرٍ، و مِن ثمّ فإن والدتي  الكريمة كانت تستصحبني عند اختلافِها إلى بيتٍ أحدٍ مِن جهة خؤولتنا، و كانت ستائر الهودج تحول دون إطلالي على معالِم الطريق فلم أكن لأتنبه لها،  و لكن كنا نتمتع باهتزازات الهودج المتأرجحة ، و التي كنا نعبّر عن شعورِنا بهذا التمتع في لغتنا المحلية لِ”ديوبند” ]ما يعني[: ( ما أمتعَ نوباتِ الهودج۔۔!۔۔)

أختى السيدة نعيمة -رحمها الله تعالى- : خُلق و صبر و مثابرة

وكنا تسعةً : إخوانًا و أخواتٍ مِن أولادِ سعادة الوالد الكريم رحمه الله تعالى، أكبرهم صاحبة الفضيلة / السیدة نعيمة (الراحلة في ذمة الله ) –رحمها الله تعالى- و كنا ندعوها: (آپاجان) [وهي صیغة حبٍ و تعظيم تستخدم لِلأخت الكبرى]، وقد سبق تزوجُها ميلادي، كما سبق لها وِلادُ بنتَين و ابنٍ قبل ميلادي كذلك ، و كانت سيدة مرِحةً طلِقة الوجه، يتعامل معها سائر أشقائي بكلّ بُسوطة و انفتاح، و لكن استولي علي مِن هيبتِها منذ فجرِ طفولتي ما جعلني أهابها أكثر من والدتي الكريمة حتى، و لعلّ سبب شعوري بالهيبة تجاهها يرجِع إلى قصةٍ لي معها ، مُفادُها : أن أختي هذه كانت تساكن زوجَها المغفور له: (الحكيم السيد شريف حسين) في بيت واقع على معلاة من محلة مقابِلة لِمحلّتِنا ، تُدعى (تيله) [تعني: التلة]، و كانت تلة صغيرة ، و لكن تتراءى لنا و لكأنها جبل على أقله.

و كان زوجها المذكور أعلاه رجلا أنيقا نظيفا ، و يبدو من سِيماه و لكأنه ضارِب   إلى ” رؤساء “مدينة أودھ” ؛ لِمنتهي اعتنائه بأناقة المظهر، و نظافة المنزل ، كان يُولي النظافة في البيت اهتماما أكثرَ من اللازم، الأمر الذي يجعله يتحرّج مِن أخفّ تثنٍّ و التواء يجده على مِلحفه سريرِه ، و کان من دأبي كلما أذهب إلى بيتها،أن أنشغل باللعب مع أبناء أختي الذين كانوا أندادا لي في السن، و قد حدث مرةً و أنا ألعب معهم كالعادة : أن وطأت بقدميّ المتّسختَين ملحفةَ أختي، فنظرت إلي نظرةً شزراءَ ، و قالت : ( بس،لا “تتفضل بقدومك” ۔۔۔!)، و كانت هي المرة الأولى التي مسَّ فيها سمعي لفظةُ (قدم رنجه) [وهي كلمة تشريف للتعبير عن القدوم خيرَ مقدَم] ، و مهما يكن تنمّ هذه اللفظة عن معانٍ مِن التهكم و التعريض الخفي، إلا أن نظرتها الشزراء التي استلهمت مد لولَها من مقتضى المقام كان أشد عليّ وقعاً منها –اللفظة-،و كانت مبعثَ هيبة دائمة استولت على قلبي تجاهها ، حتى لم يكن بإمكاني أن أتفادى مع وقعِها إلا بعد أعوام ، حينَ استطعت  الانفتاح معها إلى حدّ لا بأس به، و لم أكن أعلم أن توجيهَ نظرة غاضبة إلى أحد بهذا الشكل يسمّى ( گھورنا) [ و يعني توجيه نظرة شذراء إلى أحد] ، و إنما اطلعت على مدلوها حينَ حكت أختى هذه القصة على سائر إخواني ، فكان أول عهد لأذني بهذه الكلمة ،و كانت هي كبرى أخواتي ،  وافتها المنية و لها من العمر أربع و ثلاثون، و كنت يومَئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة، أسكنها الله تعالى فراديس جنانه ، و أفاض عليها من نعیمها و رَوحها و ريحانها، فلقد كانت مثالا فذا  من الإباء و المثابرة على قلة ذات يدها و حتى في أشد أيامِها من الناحية الاقتصادية ، و هنا قصة أخرى من حياتها تفرض نفسَها على بساطِ الكتابة …….

قصة ملؤها الدرس و العبرة

و كما أشرت إليه آنفا ، فقد كانت [أختي المذكورة] تعاني الكثير بعد زواجها من الناحية الاقتصادية ، و بينما كانت تعيش هذه المشاكل ، التمست ذات مرة من حضرة والدي الكريم أن يدعو لها ليُسعِدها الله تعالى بالتوفيق  لأداء منسك الحج ،
فبادرها الوالد الكريم بالسؤال : (و هل أنت راغبة في الحج؟) ،
أجابت بنعم ، فقال حضرة الوالد : (كلا ، لستِ راغبة في أداءه !) ،
فقالت مستغربةً : (أنا جادّة في رغبتي للحج ۔۔) ،
فأفاد حضرة الوالد:  (فهل ادّخرت لذلك من مصروفك شيئا من المبلغ ۔۔؟)،
قالت : (لا ) ،
فقال : (هذا يعني أن رغبتك إلى حد القول باللسان و حسب ، ولو كنت راغبة حقا لادخرت لها شئیا۔۔) ،
فاعتذرت قائلةً : ( وماذا عساني أن أدخر من مصروفي الضئیل الذي لا يتبقى منه شئ۔!) ،
فقال حضرة الوالد : (وهل لا يسعك أن تدخر حتى فلسا واحدا من روبية؟) ،
قالت : (طبعا ، يسعني ذلك ، و لكن هل  يغني هذا القدر اليسير من مصاريف الحج شيئا؟)
، فأفادها حضرة الوالد الكريم قائلا : (إن العبد عندما يخطو خطوته الأولى حسب استطاعته لتأدية معروف، فإن الله تعالى يعينه عليه أول الأمر،  فإن لم يكتب له إتمام ذلك المعروف فإنه يُمنح أجرَه و ثوابه لزاما مِن عندالله تعالى، أما من كان يمنّي نفسه بالأماني الفارغة ، و لا يخطو نحوها أي خطوة ، فإن هذا لا يحقق شيئا ،و لا يجدي نفعا۔۔۔).

قد حدث هذا الحادث، و مضت السنون تلو السنون ، حتى توفاها الله تعالى في عام ۱۹۵۶م،  فاستعرض الورَثة  ما تركته بعدها من أمتعة ، فعثروا على كِيس من ثوب، مكتوب أعلاه : ( فلوس للحج) ، فتحوه ، فإذا فيه حوالي خمس و ستين روبية (۶۵ )، ولما رأه حضرة الوالد الكريم ، دمعت له عيناه ، فقص علينا هذه القصة حينها، ثم صرف حضرته هذه الفلوس في تأدية الحج بدلا عنها ، وهكذا حقق رغبة أداءِها للحج بالبدل عنها ۔

ثم حدث بعد فترة من الزمان أن الوالد الكريم كان في ميدان عرفات ، وغلبه طيف من النعاس لبُرهة ، فإذا هو يشاهِد في عالَم الرؤيا (آپا جان) ( أختنا العزيزة ) و هي تصعد على جبل الرحمة في عرفات ! و هكذا  فقد هيأ الله تعالى لأَمَته هذه أسباب تأدية حجها ، رحمها الله تعالى رحمة واسعة.

أختي السيدة عتيقة – حفظها الله تعالى-: السيدة السعيدة الصالحة:

و یأتي بعدها دور  السيدة عتيقة حفظها الله تعالى ، فهي تليها في السنّ، وهي ماشاءالله سيدة عابدة و ذات حياة منظمة ، و قد تشرفت بالمبايعة على يد حكيم الأمة العلامة الشيخ محمد أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى، و لا يوجد على بسيطة الأرض غيرها في يومنا هذا (أعني ۲۵من جمادی الأولی ۱۴۳۷من الهجرة الموافق ۲۳لمن فبرایر ۲۰۱۷م) إلى حد معرفتي من يكون حائزا علی شرف المبایعة المباشرة على يد حكيم الأمة التهانوي رحمه الله تعالى ۔۔۔!

و كان من دأب حضرة والدنا رحمه الله تعالى أنه كان يقضي شهر رمضان المبارك في زاوية (تهانه بهون) في ظل رعاية حكيم الأمة التهانوي رحمه الله تعالى، ويستصحب معه أهله وأولاده إلى هناك أيضا، ومن أجل هذا الغرض فإنه كان  يمكث في أكثر الأحيان في غرفة من الدور الثاني في بيت حكيم الأمة التهانوي -رحمه الله تعالى ۔، وکان موقع هذه الغرفة بحيث إنها تنفتح على فناء أمام غرفة حضرة التهانوي في الدور الأرضي، وحيث إن المستراح(الكنيف) كان واحدا، وكان واقعا في نهاية الفناء من حيث اتخذت السلالم الصاعدة إلى الدور الثاني، فدبّر حضرة التهانوي لجعلِ المستراح صالحا لكلتا الأسرتين: حيث حدد موضعا في الفناء يعلق عليه قنديل من الزجاج ، فما دام هذا المصباح موضوعا هنا يكون هذا علامة على أن المستراح فارغ ، و أن نظام الحجاب قائم، و إن لم يوجد هذا المصباح مكانه فهذا يعني أن المستراح مشغول۔۔۔

و تقص علينا أختنا هذه أن حضرة الوالد الكريم رحمه الله تعالى كان يسكن في أدب جمّ أثناء مكثنا في هذا البيت، و كان يتعهدنا و يوصينا أن لا نحدث أدنى ضوضاء نتسبب به لإحراج حضرة التهانوي رحمه الله تعالى ، و كنت طفلة صغيرة السن يومَئذٍ، فلم أكن لأحتجب، فأرشدني الوالد الكريم ذات مرة أن أذهب إلى حضرة التهانوي رحمه الله تعالى لألتمس منه المبايعة على يده، و لم أحمل هذا الأمر بادئ ذي بدء  على محمل الجد ، ظنا مني بأن بنتا صغيرة مثلي كيف يمكن أن تبايع ؟، و لما كرر الوالد الكريم أمره ،

فبادرته بالسؤال : (وهل يبايع الأطفال ؟) ،
فأفاد : (نعم ، بإمكانهم ذلك ) ،
فعرضت نيتي للمبايعة على زوجة حضرة التهانوي ، والسيدة الزوجة رفعت أمري إلى حضرته، فطلبني ،
وقال :(و هل تبايعينني لتحسبي أمر المبايعة لعبة كلعبة الأطفال ؟)،
فأجبت نفيا،  فناولني طرف ثوب، و أمسك بطرفه الآخر، و قبلني للبيعة، و هكذا نلت هذا الشرف في مقتبل صباي([7])
و قد تزوجت أختي هذة قبل ولادتي ، بل قد سبق وأن وُلدت لها بنتٌ قبل ميلادي كذلك ، كما وُلدت لها أخرى متزامنا مع ولادتي ، و كانت تساكن زوجها و أولادها في بيت منفصل غربيَّ بيتنا.

وإني و إن كنت أُدعى خالا لبنتَي السيدة نعيمة المغفور لها و ابنٍ لها، و كذلك لبنت السيدة عتيقة –مدظلها-، و لكن أولاد خالاتي هؤلاء كانو أكبر مني سنا، و كانوا يتقدمونني في الدرس في كُتّاب السيدة العمة أمة الحنان ( و سيأتي الحديث عنها لاحقا)، و لكن قلة التفاوت في السن بيننا جعلهم و إياي نتعامل كأصدقاء أكثر من كونهم أقرباء لي من جهة الخؤولة ، و لم تكن صداقتي تعدوهم إلى أحد آخر، و ابن خالي الوحيد هذا من بينهم هو من عُرف فيما بعدُ باسم الشيخ الحكيم مشرف حسين (رحمة الله عليه)، و كانت معظم أدوار صداقتي تدور معه ، كان نشيطا في كل لعبة ، بينما كنت  كالتابع المهمل له ۔۔ !

و على كلٍ ، فإن هذا  التفاوت العظيم بيني و بين هاتين الأختين في السن أضفى على علاقتي بهما مسحة من هيبة كهيبة المربية   ،بدلا من بساطة كبساطة الصداقة !

صاحب السعادة زكي الكيفي -رحمه الله تعالى-:الشاعر المطبوع و الأخ الكريم:

و يأتي بعد هاتين الأختين دور الأخ الأكبر صاحب السعادة السيد محمد زكي الكيفي –رحمه الله تعالى-، و کنا ننادیه باسم (بهائی جان) [ نداء حب و تكريم للأخ]، و كان قد بلغ في دراسته إلى مرحلة (المتوسطة) في جامعة دارالعلوم /دیوبند حسب المنهج الدراسي النظامي المتَّبع فيها، و لکن لم یتمکن من  مواصلة مسيرته الدراسية بعد ذلك لظروفٍ قاهرة اضطرته لذلك، فأصبح يتولى إدارة المكتبة التجارية المعروفة ب( دارالإشاعة) و التي أسسها السيد الوالد الكريم رحمه الله تعالى، ولكن ذلك كله لم يفوِّت عليه القراءةَ في الكثير و الكثير من الكتب ذات التوجه الإسلامي، ومن ثم كان واسع الإطلاع على مواضيع دينية   كالسيرة و التاريخ، و التزكية و الإحسان، و تراجم السلف الصالحين و سِير العظماء من علماء ديوبند ، و كان قد تضلع منها و توسع فيها و بلغ منها مبلغا قد لا يدرك فيه شأوَه جِيادُ العلماء، عدا ذلك فقد كان من المسترشدين بالعلامة أشرف علي التهانوي –قدس سره-( الملقب بحکیم الأمة) و مبايعا على يده الكريمة، و موطِنَ عناية كريمة لغيره من كبارِ العلماء الربانيين في هذه الديار، فكان مِمن  يحبه و يعتني به: الشيخ مولانا محمد إدريس الكاندهلوي، و الشيخ مولانا داؤد الغزنوي، و الشيخ مولانا رسول خان رحمهم الله تعالى، و كلما اتفق لهؤلاء المشائخ أن يمرّوا بشارع ” اناركلي” في لاهور[ حيث كان يشتغل بإدارة مكتبته بعد هجرته إلى باكستان] كانوا يعرّجون عليه ، و يجلسون معه مليّا، و يفيدونه بمعارفهم.

و كان سماحة الأخ وَلوعا بتلاوة القرآن الکریم، فیختم في شهر رمضان الكريم  عشر مرات إلى خمس عشرة مرة، و كان كذلك شاعرا مُبدعا و قديرا، و قد نال ديوانه الشعري المطبوع باسم : (کیفیات) رواجا واسعا، مفتوحا بكلمة لي  قدَّمتُ له بها كديباجة،  و قد عقِد قرانه بفتاة الشيخ مولانا محمد مبين رحمه الله تعالى في سنة ۱۹۴۶ء، إذ كان لي من العمر ثلاث، و كان هذا الأخير من تلامذة العلامة محمود الحسن ( الملقب بشيخ الهند في هذه الديار)، و شاغلا منصِب الخطابة الدينية في (مصلى العيد) بمنطقة ديوبند، و مما أتذكره حتى اللحضة -ما عدا واقعة زواجه-سماحة الأخ- أن السيد الوالد الكريم قد بنى له قبل الزواج غرفتين في الجانب الشمالي من بيتنا في ديوبند، و كان يومَها قد قُرّر ناظرا لمكتبة السيد الوالد الكريم :دارالإشاعة ، و كان يكبُرني سِنّا بنحو أربع عشرة سنة، و مِن ثم كان کذلک ممن کنت أهابه و أجد في نفسي من هيبته الشئ الکثیر بعد الأختَين الآنف ذکرهما.

و کان شدید الولوع بتحسین خط الید، و یقضي وطرَه من ذلك بكتابة شعر أو حكمة على کاغذ أو ورق مقوي من حين لآخر برسم جميل، و ذات مرة كان منشغلا بهذه الهواية كالعادة، فغادر مكانه لحاجة ، فجئتُ أنا مكانه، و أخذت أحاكيه في هوايته، و لكن  غمست القلم في محبرته غمسا قلبها رأسا على عقب، فانكبت و انسكب كل حِبرِها على الأرض، و كنت أهاب جانبَه كما ذكرت أعلاه، و لكن هذا الشعور بالهيبة إنما كان من طرف واحد، و هو طرفي أنا، لأنه لم يسبق أن يضربني بأي شكل، و  لكن بعد هذه البادرة التي ارتكبتها أصبحتُ على يقين مِن أنه سيجسِّد اليوم شعوري النظري بالهيبة تجاهه تجسيدا عمليا، و لكن لم أكن لأقدِّر كم سيكون  سيئا و شدیدا هذا التجسيد العلمي، حتى أستعدّ له نفسيا من ذي قبل، و لأجل تحقيق هذا الأمر فقد تركت المحبرة و شأنَها و انطلقت أسأل كل من أجده من إخوة و أخوات : كيف تقع يد سماحة الأخ ؟ ( أعني بذلك هل يكون وَقعُ يدِ أخي شديدا عند صفعِه أحدا أم لا ) ، و كان هؤلاء الذين لم يعرفوا بعد عن جنايتي تحيروا و تساءلو:  (لم أصبح هذا الولد يتحقق من صفعة سماحة الأخ !)، و عندما قصصت عليهم قصتي، ضحكوا بملء أفواههم، حتى عندما بلغ سماحة أخي من أمري هذا ، أصبح يتمتع بقصة تحقيقي لمدى بطش يده بدلا من أن يحقّق لي ذلك بصفعة تطبيقية و عملية ، ثم سرَت قصتي هذه مضربَ طريفة أُضيف إلى قائمة قصص فطانتي و صارت تُحكى في المحافل الأهلية للتدليل عليها.

ثم جاء زمان تحولت فيه هذه الهيبة إلى شبه الصداقة المنفتحة الحرة إن لم يكنها، حيث جعلَنا الأخ الكريم ننبسط معه و كأننا أصدقاء، و بدافع هذا الانفتاح كنتُ أحيانا أرسِل له قولا، أو تبتدر مني كلمة على سبيل المزاح،  فيداخلني بعده شعور بالخجل خشيةَ أن أكون قد أسأتُ إليه أو قصّرت في جانبه، و كان هذا الانفتاح يحفِّزنا على الاجتماع به و اغتنام كل فرصة مؤاتية من أجل ذلك، و كان يراقب أنشطتَنا التي كنا نمارسها بجامعة دارالعلوم كراتشي، و يزوِّدنا بتوجيهاته و مشوراته القيمة الغالية، و منذ أن بدأت الكتابة ، صار يتابع كتاباتي ، و يعلق عليها ، و يشير علي في ذلك ، و قد ألّفت كتابي : ” سيدنا معاوية رضي الله عنه في ضوء الثوابت التاريخية “[ في الأردية] تلبيةً لرغبته ، و سيأتي ذكر ذلك لاحقا إنشاءالله تعالى([8])…..

وفي الحديث عن الأخ الكريم بقيّة

ولا زال في الحديث عن مميزات سماحة شقيقي الأكبر ( صاحب الفضيلة محمد زكي الكيفي -رحمه الله تعالى- )بقيةٌ لا بدّ أن نأتي عليها، لا سيّما و أنّ سماحة أخي كان هو الوحيد الذي تميّز من بين سائر أشقاءه بالحضور لدى حكيم الأمة العلامة الشيخ أشرف علي التهانوي -رحمه الله تعالى- و القيام على خدمته و التشرف بالمبايعة على يده، و كان سعادة الوالد الكريم -رحمه الله تعالى- دوما مّا يستصحبه معه إلى زاوية (تهانه بون)، و كان حضرة التهانوي -رحمه الله تعالى- یحبّه ، كما مكّنه  من تمريخ شَعر رأسه بالدهن غير مرّة، و لم يكن من عادة الشيخ أن يتناول (التنبول)[ مأكل ممضوغ يتناوله الناس في الهندوباكية على سبيل التفكه و النشوة]، و لكن يتناوله أحيانا في ملفوف ورقي ساذج… ، و كان سماحة الأخ يقوم بإحضار التنبول لحضرته في ميعاده، و من ثم كان حضرته يسمّيه (تنبوليًّا) ممازحا إيّاه، و كلما حان وقت تناوله للتنبول يتساءل : (أين غاب عنا تنبوليُّنا ؟).

ومن مميزاته التي حظي بها عند حضرته أنه التمس منه مرة أن يدرّسه الكتاب المسمّى: (پندنامه عطار) [ قصیدة نصائح للعطـّار باللغة الفارسية] ، و كان شديدا على حضرة التهانوي -رحمه الله تعالى- أن يدّخر من وقته العزیز الغالي لِتدريس طفلٍ من الأطفال، و لكن كان من عنايته الكريمة أنه لم يرفض قبولَ هذا الطلب الصبياني البريء، بل استجابه قائلا:

(لا أجد من الوقت ما يكفي لذلك بيدَ أني أخرج بعد كل صلاة عصر للتمشي و استنشاق الهواء ، بإمكانك أن تصاحبني عند ذلك،  لِأدرّسك من ” پندنامه ” في هذه الفرصة ).

و بعد العصر وصل سماحةُ الأخ إلى حضرته ، و ابتدأ الدرس بمحضرٍ من كبار خلفاء الشيخ ، و قد غبطوا سماحةَ الأخ غبطة كبيرة ، و استأذنوا للمشاركة هذه الدراسة، فآذن لهم حضرة الشيخ ، فكان درسا عظيما يشاركه الشيوخُ مِن أمثال سعادة والدي الكريم، و الشيخ المفتي محمد حسن ، و الشيخ خير محمد ، و الدكتور عبدالحئ رحمهم الله تعالى جميعا، و استمرّ هذا الدرس طوالَ شهر رمضان الكريم، و كان الشيخ المفتي محمد حسن -رحمه الله تعالى- يكثِر فيما بعدُ من ذِكر هذه الواقعة لِسماحة الأخ ، و يعلّق عليها قائلا :

(أنت زميلنا في الدراسة ، و بفضلك تمكنّا أن نحظى بقراءة ” پندنامه ” على حضرة الشيخ التهانوي -رحمه الله تعالى-  )

و لما آن لأناملِه  أن تمسك القلم و يتعلّم الكتابة و هو لم يزل في صباه، أوصاه سعادةُ والدي الكريم أن يراسِل حكيمَ الأمة التهانوي -رحمه الله تعالى- أوّلَ ما يراسِل، و قد فعل ، و إن الإجابة التي تفضل بها حضرة التهانوي ردّا على رسالته يتضمّن في طيّاته درسا برأسه، كما يمثِّل في الوقت نفسه سعادةً عظيمةً حظي بها سماحة الأخ ، و كان فيما كتب حضرة التهانوي إليه ما يلي :

(عزيزي سلمه ،

السلام عليكم مع الدعاء، قد اطلعت على كلمات رسالتك، و قد أدخلت على قلبي سرورا، و أدعو لتقدّمك علما و عملا، و أوصيك أن تجعل خطك واضحا مقروءا أكثر ، فإن هذا يهوِّن على المرسَل إليه من قرائته ، و يوفّر عليه راحته، كما أن تحسين الخط مقرونا بهذه النبية يجلب لصاحبها ثوابا من عندالله تعالى ، فانظر إني أتعهدك بما يجعلك ” صوفيا” [ ملتزما بالشريعة] من صباك، و التزم وصيتي هذه ،  تحياتي و دعواتي لجميع أهلك. أشرف علي)

و ربّما يذهب ببعض العامة من الناس خَيالُهم فیقولون:

(ما لِتحسين الخط و التصوف، و أين هذا من ذاك! ؟)،

ولكن الذي يطّلع على مميزات منهج حكيم الأمة أشرف علي التهانوي -رحمه الله تعالى- في الإصلاح و التوجيه الإسلامي يعرف أنه کان یربّى أتباعَه المتصلين به روحيّا و المبايعين على يده تربية متكاملة ملؤها الاهتمام بمتطلّبات الشريعة الإسلامية و التزكية و الإحسان المتمثلة في أدب الحياة الاجتماعية ، و حسن الأخلاق ، وشفّافية المعاملات لِحينٍ أن هذه النواحي الأساسية من الدين الإسلامي كانت تُعدّ خارجةً عن نطاقه في تلك الفترة من الزمن، ومِن هنا كان مِن منهجه أنّه لا يؤاخذ على التقصير في الأوراد اليومية و الطاعات النافلة، و لكنه كان شديد المؤاخذة على أي تصرفٍ أو تقصير يؤدي إلى إيذاء الآخرین، وكان من أثر  هذه التربية و التعليم أن الأخ كان يهتم في سلوكياته و تحركاته بالتوقي عن إلحاق أي نوعٍ من الأذى بغيره أيما اهتمام.

وإن قصة مبايعته على يد حضرة حكيم الأمة -رحمه الله تعالى- هي الأخرى عجيبة من نوعِها، فبَينما كان سماحة الأخ لم يبلغ يومَئذٍ سنّ البلوغ،  إذ التمس من حضرة الشيخ أن يضمّه إلى سلسلة بيعته، و كان حضرته لا يقبل بيعة الصغار عادةً،

فقال له حضرته مازحا : (لا تتم البيعة صفرَ اليدَين ، لا بدّ أن تحضر جوّافة لنقبل يدَك للبيعة …!)،

و لم تكن الجوافات متواجدة في السوق إبّان ذلك الموسم ، و إنما قال له هذا الكلام تعليلا  و إرجاءًا لطلبه، ظنّا منه أنه  عسى أن لا يقدِر على إحضاره في مثل هذا الموسم فأُعفى عن بيعته…. و لكن سماحة الأخ ظفِر بالجوافة ، و ما يُدريهم من أين زاويةٍ ظفِر بها …!، و لما رآه حضرة الشيخ و قد أحضرها ، عجِب له كبيرا، و وافق على طلبه وفاءا بوعدِه الذي قطعه له سابقا، و بحكم أنَّ حضرة الشيخ كان ملتزما بأحكام الشريعة الإسلامية  في كل صغيرة و كبيرة  التزاما موفّقا لا يعدِله فيه غيره… فإنه لم يغب عن بالِه في هذه الحادثة أن سماحة الأخ غيرُ بالغٍ، و لا يجوز لمثلِه شرعا أن يُهدي بدون إذن أبويه، و بالتالي أمَره حضرتُه بالرجوع إلى بيته  ليستأذن أبويه أولا في إهداء الجوّافة ، و قد فعل سماحة الأخ ذلك ، فقبل يدَه للبيعة حينَئذٍ ……!

و بعدَ هذه القصة راسل سعادةُ الوالد الكريم رحمه الله تعالى حضرةَ حكيم الأمة التهانوي رحمه الله تعالى و كتب إليه فيما كتب ما يلي :
(قد تجلّت من بركات انخراط “محمد زكي” في سلكِ البيعة أنه ازداد شوقا للصلاة ، و قد كان يسبق إلى النوم عند العشاء ، و قد صار الآن ینتظر حلول وقت صلاتِه )
و قد ردّ على هذه الرسالة حضرة حكيم الأمة التهانوي كما يلي :
(ماشاء الله ، أرجو دعواتك ليرزقني الله تعالى من بركات هذا الطفل المعصوم البریء، و أن أحظي بمعاني الهمة و الاستقامة و الإخلاص في الأعمال )
و قد تم إنجاز مُعظمُ أمور سماحة الأخ في صباه خاضعة لِمشورات و ترشيدات حضرة حكيم الأمة التهانوي رحمه الله تعالى ، و في هذا الصدد فقد كتب سماحة والدي الكريم -رحمه الله تعالى- إلى حضرة التهانوي رحمه الله تعالى ما يلي :
(قد مضى أكثر مِن سنة على  تحفيظ محمد زكي سلمه الله تعالى القرآنَ الکریم، و لکنه ظلّ يعاني من المرض منذ ستة أشهر….، و قد ارتأى بعض أقربائي أنه لا يُطيق جهد التحفيظ…، و لا زلتُ بين أخذٍ و ردٍّ من أمره ، لا أتبيّن ما أصنع…!)
فأجاب حضرة التهانوي رحمه الله تعالى بما يلي :
( لو كان ” زكي ” ابني أنا لخلّيته من قسم التحفيظ حتى يحين الوقت الذي يستعيد فيه طاقتَه ( و لو بعد التخرج من الدراسة )، فالتحفيظ حينَئذٍ سوف یکون أسهل نسبيّا )

وهكذا ظلَّ سماحةُ الأخ ینشأ و يدرج في سلالم عمره المبكّر و هو يتمتع بتوجيهات حضرة الشيخ التهانوي -رحمه الله تعالى- و و عناياته  إلى سنّ الثامن عشر، و قد حدث ذات مرة أن مست سماحةَ والدي الماجد -رحمه الله تعالى- حاجةُ إرسال رسالة إلى حضرة التهانوي في منطقة “تهانه بون”، و كان من اللازم إيصالها إلى حضرته في نفس ذلك اليوم، و لم تكن الساعة حينئذٍ بحیث يتوفـر فیها القطار الذاهب من (سهارن بور) إلى (تهانه بون)، فتولّى سماحةُالأخ هذه المهمّة، وشمّر لها عن ساقه، و خرج في الطريق من (ديوبند) إلى (مظفر نگر) إلى (شاملي) رجاءَ أن يجدَ منها المركب الذاهب إلى (تهانه بون)، و لكن فاته المركب قبل الوصول إليه، فاستأجر درّاجة عاديّة من مدينة (شامل)، و قطع الطريق الطويل إلى (تهانه بون) عبرَها، و هكذا أبلغ الرسالةَ إلى حضرة التهانوي -رحمه الله تعالى- قبل فوات أوانِها.

وعلاوةً علی اتصاله القوي بحضرة التهانوي -رحمه الله تعالى- فقد كان سماحة الشيخ السيد أصغر حسين -رحمه الله تعالى- هو الآخر يُعيره من حبّه و عنايته الشيءَ الكثير، كما تمتع سماحةُ الأخ بفُرصٍ جمّة للاستقاء  من معين مجالسِه العلمیة والعملية والقيام على خدمتِه، وقد رزِق الأخ الكريم منذ صباه حبّاً فائقا متمیزا  لملازمة المشائخ الربانیین والاستفادة منهم، وکان حقیقا في قرض الشعر التالي الذي يعبّر عن شعوره :

اس وقت سے میں تیرا پرستار حسن ہوں
دل کو مرے شعور محبت بھی جب نہ تھا
[ترجمة البيت: عهد قلبي الخضوعَ لجمالك فهواك قبل أن يتفتح وعيُه على معاني الجمال…..!]

و قد أضفت هذه المجالس الفيّاضة على شخصيته صِبغةً دينيةً قويةً لا تتغير بتغير الزمان و المكان ولا تتبدل بتبدل الأحوال،  ولم يصِر مغلوبا على أمره مهما كانت الظروف، و قد ظلت شخصيته مؤثّرةً غیر متأثرة في كل أنواع المحافل ، وتركت طابَعا إيجابيا حيثما حلّ وسار، [تماما كما تمثل به في بعض أبياته قائلا:]

رنگين  ہے ہم سے قصہ مہر و وفا کہ ہم
اپنی وفا کا رنگ ترے رخ پر مل گئے
[ترجمة البيت: إن قصة الوفاء بالعهود و الوعود موجودة و معمورة بنا ؛ فنحن الذين مثَّلنا هذه القصة حيث إنا كلما اجتمعنا بك صبغنا صفحة وجهك بصبغة وفائنا ، فتتهلّل بِشرا و تبتسم فرَحا…]

السيدة حسيبة -رحمها الله تعالى- والسيدة رقيبة -حفظها الله تعالى

ويأتي في المرتبة الرابعة دور شقيقتنا السيدة حسيبة([9]) –رحمها الله تعالى – و تتلوها السيدة صاحبة الفضيلة رقيبة –مدّ ظلّها- و التي نناديها باسم :(چهوتی آپا) [ و هو تعبير محلي لمناداة الأخت الصغيرة على سبيل الاحترام ]، و كانتا تكبراني سنّا، و لم تكونا قد تزوجتا بعدُ، و قد وفّرتا عليّ من عنايتهما السخيّة ما قلب علاقتَنا فيما بيننا إلى ما هو أشبه بالصداقة الدائمة المنفتحة، و كانت كل حصيلتهما من الثقافة ما تحصّلتا عليها في “كُتّاب العمّة أمة الحنان” ( و سنأتي على ذكرها لاحقا)، و مقتصرةً على مدارسة الكتاب الأُسَري المعروف “(بهشتي زيور)[ أي حلي الجنة، وهو اسم كتاب ألّفه حكيم الأمة العلامة أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى لتزويد الفتيات و السيدات المسلمات بالثقافة الإسلامية اللازمة]، و لكنهما – و بفضل تربية سماحة الوالد الكريم -رحمه الله تعالى- إياهما تربيةً جميلةً متكاملةً – قد بلغتا من الذوقِ العلمی و الأدبي بمكانٍ يفوق السيدات الخريجات من الجامعات العصرية ، کما کان لهما اطلاع واسع على الكتب و عهد كبير  بمطالعتها، و لم تكن مواهبهما مقصورة على فهم الأدب الراقي الجميل و تذوقه فحسب، بل كانتا تقرضان شعرا جميلا و راقيا، و نعرض فيما يلي نموذجا بسيطا من شعر صاحبة الفضيلة السيدة حسيبة –رحمها الله تعالى- [ ما ترجمته كالتالي]:

[ترجمة الأبيات: يأخذنا البكاء و التأسف علی مصیر هذه الحدائق، و ما یُدرینا ما ذا یدعو أزهارَها  للتفتح و الضحك ..!، و إن البروق السماویة تمرّ بوكناتنا دون أن تقَلَّ  لنا تحية و رسالة، و ما يدرينا ما الذي أثار سخطَها علينا ….!!]
و من شعر صاحبة الفضيلة السيدة رقيبة –مدظلها- ما [ترجمته كالتالي] :
[ترجمة البيت:على الرغم من محاولات هضمي لهمومي فقد اغرورقت عيوني ، و انهزمت و خضعت لسلطانِ القلب، و بينما كانت النجوم و القمر مشتغلة بالإصغاء إلى أسطورة همومي إذ  خيّم عليها الرقود قبل أن أن أنتهي من حكايتها.. ….!]

و كانت معظم أوقاتي تنقضي مع هاتين الشقيقتين جنبا إلى جنب، إذ كانتا مأمورتين بتعهدي و رعاية جميع شئوني أخذاً من تحمّل تدلّلاتي و انتهاءًا بقضاء سائر حوائجي الأهلية ، و مصاحبتي لهما هي التي ألقت في داخلي بذرةَ الذوق الأدبي، وفجّرت عينَه،  و سأتوسّع في الحديث عن ذلك لاحقا إنشاء الله تعالى.

صاحب الفضيلة محمد رضي العثماني رحمه الله تعالى:

ويتلوهما صاحب الفضيلة محمد رضي العثماني رحمه الله تعالى ، و كان أستاذا للغة الفارسية في دارالعلوم/ديوبند، و كان شديد الحب و الاهتمام بالأطفال، كما كان  له بصيرة ثاقبة في الاطلاع على نفسيّاتهم الدقيقة المعقّدة، و قد عوّدني على التعامل  معه بالدّلال  أكثر من اللازم، فيسعى لتحقيق  كل رغبة لي، و كنا نحن الصغار نناديه ب” الأخ رضي”، بينما كنت أدعوه بلساني الألثغ يومَئذٍ” بهائی لجی”  ، [ و أصله: ” بهائی رضی” أي “الأخ رضي”.]

و عندما لا يحقق لي طلبا فأعبّر عن سخطي و استيائي له بحذف كلمة ” الأخ” من الخطاب، و أناديه بلهجة غاضبة باسمه قائلا  :”لجي”!.[يعني “رضي” بلسانه الألثغ].

و قد علم مرة أني أفرح للحمام، و كان له صديق من أبناء أخ العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى يقتني الحمام، و لعل الأخ الكريم التمس منه أن يوفّر لنا واحدا منه، فأتى به يوما إلى بابنا، و أخذني الأخ إليه ليُريني ذلك، و لما وقع بصري على الحمام، و علمت أنه أحضر لي خاصة، استبشرت به فرَحا  لا يوصَف، و لا زلت أتذكر ساعة فرَحي تلك.

غفر الله تعالى أخي الكريم، و كان بدوره صغيرَ السنّ، و ربّما يرسم  على الكاغذ رسوما مختلفة  لإفراحي، و قد حدث مرّة أنه رسم على الكاغذ صورا للجوافة، و الليمون، و الطير، و الحمار و الغراب، و لعلّي كنت على سابق علمٍ من أمر والدي الكريم أنه يسوءه تصويرُ الحيوانات، و من ثمّ كنت إذا وجدت عليه في نفسي لسببٍ أناديه مصرِّحًا باسمه، و أقول بلساني الألثغ: (املود، نيموں، چليا، ددھا، توّا) ( وأصلها: امرود ، ليموں ، چڑيا، گدھا، كوّا، يعني الجوافة و الليمون، و الطير ، و الحمار و الغراب)، وكان هذا يُكنّ تحدّيا خفيّا أوجّهه إليه بمعنى بأنك لو لم تضمن إرضائي فإني سأرفع أمرك إلى الوالد الكريم و أشكو إليه أنك رسمت صورَ الطير و الحمار و الغراب، ومع مرور الأيام قد أخذت هذه الجملة مأخذَ الشتم على لساني ، فكنت أستخدمه كأداةٍ للشتم أُوجّهه ليس إليه فحسب، بل إلى كل من أسخط عليه، و أشعر منه باستياءٍ في نفسي، فأقول له بنبرة غضبٍ: (املود، نيموں، چليا،ددها ، توّا)  ، وكان أغلظ شتمٍ بالنسبة لي عندما كنت أوجّهه إلى أحد من الأطفال عند الشجار.

أمطر الله تعالى على أخي رضي الكريم شآبیب المغفرة و الرضوان، و کان من حبّه الجمّ الشديد بي أنه لماّ وجّهت إلى والدي الكريم دعوة إلى دارالعلوم/دابهيل ليتولّى تدريس الصحيح للإمام البخاري مكانَ شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني قدّس سرّه، فاستصحبه الوالد الكريم معه، و مكثا هناك عدة شهور، فكان يتذكّرني بفارغ الصبر و بالغ الأسى، و قد كتب في مقالته التي كتبها بمناسبة رحيل الوالد الكريم في مجلة ” البلاغ” الأردية ما يعبّر عن مشاعره كالتالي:

(وكان الأحقر[يعني نفسَه تواضعا] يدرس القرآن الکریم نظرا، و التحق بقسمِه، و بعد العطلة يقضي أكثر أوقاته واجما صامتا، لا يروق له شئ من الطعام و لا غیره من الأعمال، و كان السبب الرئیسي وراءه أن شيخَ اليوم: محمد تقي العثماني ( مدير مجلة البلاغ) كان ابنَ سنتين أو سنتين و نصف يومَئذٍ، و کنت لبالغ حبي له و اتصال حبل الوداد به لا أكاد أقضي حتى ساعة واحدة بدونه إبَّانَ بقائي في ديوبند، و في ” دابهيل” كان هو الآخر محورَ أفكاري و تصوراتي، و عندما تضيق بي السبل كلّها ألجأ إلى الجداران فأرسم عليها اسمه ) ( العدد الخاص بالمفتي الأعظم لمجلة البلاغ ،ج:۲، ص :۱۰۴۴).

و كان من عظيم تضحيات الأخ الكريم التي بذلها  : أنه بعد الهجرة إلى باكستان –و بحکم کونه أكبرَنا سنّا، و الأقدرَ على مساعدة الوالد الكريم في شئون المعیشة-تولّى إدارة مطبع  دارالإشاعة بصفته ناظرا لها، و صار شبهَ الوقف على أمرِها، فلم يستطع من أجل ذلك مواصلة سيره التعليمي، و لكن  كان من فضل الله عليه أنه ظلّ مغبوطا في حياته العملية للكثيرين بمعارفه و خبراته الدينية النابعة عن مطالعاته الموفَّقة، والتي واصلَها   حتى نهاية المطاف من حياته، و كان يستمد من هذه المطالعات  رصيدا مستمرا من المعلومات و المعارف. و قد رُزِق ولَعا متميزا بالرحيل إلى الحرمين الشريفين، و كان من دأبه الخروج للحج أو العمرة على مدار كل سنة  مدفوعا إليه بمنتهى معاني الوَلَه و الشغَف.

صاحب الفضيلة محمد ولي الرازي حفظه الله تعالى

ويتلوه في المرتبة السابعة صاحب الفضيلة محمد ولي الرازي –مُدَّظلّهم-، و کان یحفظ القرآن الکریم فی دارالعلوم/دیوبند، و قد أُوتي بفضل الله تعالى من الذكاء و الفطنة، و سرعة البديهة، و ملاحة الطبع الشيء الكثير، و هو فارس كل ميدان ولَجه،  عندما طرق بابَ الشعر و دخل في مشواره أبعَد فيه و أجاد، و عندما دخل في شعبة التعليم، و انشغل بتدريس العلوم الإسلامية في ” كراچي گرامر سكول” و ” جامعة كراتشي” أحدث انقلابات صالحة في حياة الكثيرين، و لمّا فاز بشهادة الماجستير في قسم اللغة الإنكليزية سخّر كفاءاته اللغوية المكتسبة منها في ترجمة العديد من الكتب الدينية إلى اللغة الإنكليزية. و هو الذي نقل الكتابَين : (من العهد القديم إلى القرآن الکریم)  و (موقف الأمة الإسلامية الموحَّد من الطائفة القاديانية) [ كتابان لصاحب الذكريات باللغة الأردية] إلى اللغة الإنجليزية. و لم تزل مجلة (البلاغ) الإنجليزية تصدر تحت رئاسة تحريره. و تتجلّى ذكاءه الخارق و فطنته المتوقدة من خلال تأليفه للكتاب المسمّى : (هادي عالم صلى الله عليه وسلم) و الذي طار بصيته الرکبان في الآفاق. و قد ألّف سماحته هذا الكتاب في موضوع سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ملتزما منهجا متميزا و فريدا من نوعه، حيث انتهج أن لا يورِد في بيان سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على طولِها أيةَ كلمة منقوطة معجمة، و قد فعَل، فلم يرد في هذه السيرة  المحتوية على أربع مائة صفحة(۴۰۰) من ألفِها إلى ياءِها أي كلمة ذات نقطة، و بالتالي فإنه يمثّل خصيصة فريدة من نوعِها، و ربّما لا نجانب الصواب إذا قلنا  بأنّ هذه الخصيصة سجّلت رقما قياسيا عالميّا في هذا الخصوص. فما أصعب أن تنشيء كتابةً طويلةً في الأردية عاريةً عن النقاط، و لا سيّما كتابةَ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأصعِب بها و حدّث عن البحر و لا حرج، و قد أطلت نفَسي بعضَ الشيء للتدليل على  خطورة هذا النوع من الكتابة في مقدمتي لهذا الكتاب. و لكن حالفَ سماحتَه توفيق رباني خاص إذ أنجَز هذه المكرُمة في عداد أشهر، و سجّل رقما قياسيا. و لِسماحته كتب و مقالات أخرى غير هذا، و هي كثير، و تمثّل مرآةً لاتجاهاته الأدبية و الدينية و العلمية المتيزة، كما تعكِس إدمانَه للقراءة.

وقد جعلَه الله تعالى ملاكا من التواضع البالغ و سذاجةِ الطبع. و لم يزل عاكفا على  خدمته للعلم و الدين بمقالاته التي يكتبها  بعيداً عن أسباب الشهرة وبمعزلٍ عن أبواق الدعاية.

شقيقي الكبير العلامة المفتي محمد رفيع العثماني حفظه الله تعالى

وفي المرتبة الثامنة يأتي دورُ  شقيقي الكبير فضيلة الشيخ المفتي محمد رفيع العثماني-مُدَظلُّهم-، و هو يكبُرني بسبع سنين، و لكنّ الله تعالى جعل بعضنا مرتبطَين ببعض منذ أيام الطفولة حتى اليوم بحيث أصبحت أسماءُ كلانا تُذكر معاً شِبهَ متلازمَين، ليس في حدود الأسرة فحسب، بل في الأوساط الدينية و الوطنية كذلك. و قد تشرّفتُ بمرافقته   لأطولِ مدّة من الزمن لم أحظ بمثلها مع أحدٍ  مِن سائر إخوتي و أخواتي، و قد تعلّمت بفضلها الكثير والكثير، و لكن عشوائية طبعي حالت دوماً دون العمل بمقتضاه، فهو يعيش حياة منظمة سلِقة تحكمها أصول و ضوابط، و أنا المتخبط والعشوائي، وهو يعتاد تسيير أموره  بالتؤدة و الطمأنينة و الرزانة، وأنا العَجول المتسرّع، و هو المهتم بالترتيب و النظام في جميع أشياءه أخذا من بيته إلى مكتبه، و أنا فاقد النظام. و فذلكة الكلام أنه تحمّل عني حماقاتي هذه بمنتهى الصبر و الاحتمال، و الفضل فيه راجع إلى رحابة صدره وشكيمة عزمه،  و هذا النوع من الاختلاف في الطبائع،و الذی کان الجانب السلبي منه نابعا عن الأسلوب غير المنظّم لحياتي، لم يتحوّل أبداً –بفضل سموّ نفسه و  تحمّله و عِظَم شأنه- إلى أيِّ وضعٍ مِن الاستياء جديرٍ بالذكر.

وأدين له بفضله الأخوي العصامي الذي كان الحافز الأهمّ لاستفادتي منه في أكثر شئونی، أخذاً من مرحلة التحصيل إلى میدان التدريس إلى مجال الإفتاء ثم إلى القضايا الوطنية،  في جوّ متكامل من التلاءم والانسجام، ولله تعالى الحمد، حيث قد شمَلَني دوما  بعنايته و شفقته…

وقد لقّبه العلماء الأجلاّء بصفة ” المفتي العام لباكستان” بعد الشيخ المفتي ولي حسن رحمه الله تعالى[ المفتي العام سابقا]، وتشهد بجدارته لهذا اللقب مؤلفاتُه و فتاواه الأردية و العربية، وأمالي دروسه الواضحة المنضبطة المحكّمة، وخطاباته الصريحة الدقيقة ومواعظه التربوية.

ويتصدّر اسمه كلَ قائمة تضمُّ  العلماء المخلصين الجادّين و المتميّزين برأيهم السديد، ومنهجهم الوسطي المعتدل الرزين. و لله الحمد.

وقد وهب من مجهوده الجسمي و الفكري لجامعة دارالعلوم كراتشي وتشييدها وللارتقاء بها إلى أفضل مستوى من العمارة و البناء، تماما كما يشهد له بذلك مبانيها الشاهقة والرائقة بكل شبر من أشبارها و وهادها و نجادها.و لست بالمطري غالبا إن قلتُ أنه أجهد نفسَه في الإشراف المباشر على جميع المباني الجامعية –ما عدا واحد أو اثنين-،وأفرغ  عرقَ جهده ورعايته في كل لبِنة من لبناتها.

فاللهَ تعالى أسأل أن يُديم ظلالَ كرمه وعنايته علينا في عافية تامة و رفاهية سابغة. فإنه يمثّل دورَ الأب الكريم  ليس بالنسبة لي فحسب، بل لعموم الأسرة ، ولدارالعلوم بأسرها. وأمّا ملفّ خدماته للوطن والأمة فهو سجلّ حافلٌ لن ينساه التاريخ.

عودًا علی بدءٍ:

هؤلاء هم كانوا إخوتي و أخواتي الذين أوجزت التعريف بهم أعلاه، و أنا أصغرهم سنا،و كما أسلفت ذكراً أني وُلدت لخمس خلون من شوال سنة ۱۳۶۳من الهجرة، لحين قد مضى على رحيل حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى قرابة ثلاثة أشهر. و من ثم فإن سائر إخوتي و أخواتي سعِدوا إما بزيارة حضرة الشيخ أو أنهم تشرفوا بوقوعهم موقعَ  نظرات عنايةِ  حضرة الشيخ على الأقل، و كنت أنا من حُرِم كلتا هاتين السعادَتين، إضافة إلى أن  أسماءَ جميعهم تعيّنت باقتراحٍ من حضرة الشيخ، و لم يكن طبعاً من المحتمل أن يقترح لي اسما، و لكن كان من أمر والدي إذا رُزق ولدا أن يلتمس من حضرة شيخه اسما يسمّيه به، و كان حضرته  عادةً مّا  يضع أمام والدي قائمة من الأسماء المقترحة ذات قافية واحدة  ، ليختار منها الوالد الكريم ما يحلو له، و كان من بينها الاسم (محمد تقي) ، الذي لم يُسمَّ به أخ لي قبلي، و يبدو لي أن الوالد الكريم اختار اسمي من تلك القائمة التي اقترحها حضرة شيخه. و أكبر ظني أن الوالد الكريم ربّما لم تفته  أن يستشير في ذلك أستاذه الحبيب و مربيه الكريم الشيخ السيد أصغر حسين الديوبندي( المعروف ب: مياں صاحب)  هو الآخر، و الذي كان مرجعا لوالدي الكريم بعد وفاة حضرة شيخه حكيم الأمة یستیشره في شئونه. و كان من الأولياء المزوّدين بالكشف و الكرمات.

و كبار إخوتي الثلاثة كانوا دارسين في جامعة دارالعلوم/دیوبند. و لم أكن قد شرعت بعدُ في دراسة ” القاعدة البغداية ” [ كتيّب معروف في الديار الهندية و الباكستانية لتعليم حروف التهجي] ، فضلا عن الدراسة الرسمية في الجامعة، و لكن قد كان يحدث أن أرتاد الجامعة مع إخوتي الكبار هؤلاء. و من هنا ارتسمت في صفحة ذهني صورة ضاحلة و ضئیلة للجامعة يومَئذٍ.

ما أمتع ذكريات زهرة الحداثة في حضن الأم !

و كان يقع في مؤخرة بيتنا ( إلى جهة الغرب) بيت جدنا الشيخ محمد ياسين رحمه الله تعالى. تقطن فيها جدتي رحمها الله تعالى ( و كانت مبايعة لدى العلامة رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى)، و يتوسط كلا البَيتَين طريق أشبه بالنفق، نسميها :(نيم درى) [ يعني نصف الباب]. و تتصل بهذا البيت الأسري العريق سلسة من بيوت الأسرة، تخلص من بينها سكّة ضيقة إلى منطقة أوسع مساحةً نسبيّا، و هذه المنطقة هي ما كنا نسميها ” چوك” [ مفترق الطرق]. و كان يُعرف بينَنا نحن -معشرَ الأطفال- بساحة ملعب لا تقلّ –وفق التصور الصبیاني يومَذاك- عن (إستاد فسيح)، يلعب فيه الأطفال  من طول الحي ألعابا لا تكلّف أحدَهم أي تكلفةَ فلسٍ و لا تُحوجهم إلى تعلّمها من مدرّب. وكان إخوتي الكبار عادةً مّا يمارسون الألعاب المحلية في هذا المعلب . و أما أنا فقد كانت كل عالمي  الذي كنت أعيشه ما بين البيت و هذه الساحة، حيث كنت أُسلـي نفسي بمشاهدة اللاعبين أكثر من ممارستي اللعب شخصيا.

و كما ذكرت سابقا أن أولاد أختي الأربعة ( ثلاثة من بنات أختي و واحد ابن اختي) كانوا يكبرونني سنا بفاصل سنة إلى ثلاث .و من ثم لم تكن بي حاجة إلى إحداث صداقة خارج حدود أسرتي، فقد کانت تربطني بهؤلاء علاقة شبه الصداقة، تدور ألعابي معهم. و كانت لعبة (آنكھ مچولى) [وهي لعبة هندية شعبية، تمارس في الأغلب بحيث يختفي فيها طفل فیخرج الباقون بحثا عن مكانه الذي اختفى فيه] هي أكثر ما تناسب أعمارَنا، ويكفي لممارستها حدود البيت دون أن نخرج من أجلها إلى ساحة ” المفترق”. و كانت لعبة
( گولى ڈنڈا) [ وهي لعبة محلية هندية تمارَس بخشبة منحوتة في جهة الطول و أخرى طويلة كالعصا، تشبه الكريكت من بعض الوجوه] خارجةً عن نطاق استطاعتنا ،على أنّي لم أتمكن بعدُ من أن أكسب في مجال الألعاب أي مهارةً تلیق بالذکر.

و كنت أصغرهم. و ربما هذا ما  جعلني أحبهم إليهم، وكان الكل أخذا من أبويّ إلى سائر الإخوة و الأخوات يذكرون من قصص ذكائی في مثل هذا السن المبكر ما لست أدري هل كان ذلک من ثمرات هذا الحب و الدلال أم كان ضربا من الحقيقة. و كانوا يسردون للتدليل على هذا الذكاء جملةً من قصصي التي لا زلت أتذكرها ولكأنها حديث اليوم. و إن قلمي يلحّ علي أن أحكي لكم بعضا منها عسي أن تتمتعوا بها !

(متواصل……………………….)

 

 

 

[1] ۔الرئیس الأسبق للجامعة الإسلامية (دارالعلوم ديوبند۔الهند)

[2] ۔   و يجمل بالمقام لو نقلنا غيضا من فيض هذه المقدمة الجامعة النافعة فيما يلي: فمن ما قاله شيخنا الكريم حفظه الله تعالى في مقدمة الكتاب المذكور :۔۔۔” ۔۔إن الدين و تعاليمه  الأساسية إنما تنبع من الكتاب و السنة ، وإنها –تعالیم الکتاب والسنة- في شكلها الكامل هي أساس مذهب علماء ديوبند۔
خذ أي كتاب موثوق به في عقائد أهل السنة و الجماعة ، و اقرأه ستجد أن مذهب علماء ديوبند هو كل ما جاء فيه  من العقائد ، و اقرأ أي كتاب موثوق به في الفقه و أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ستجد أن ما جاء فيه من المسائل الفقهية ، و الأصولية هو المذهب الفقهي لدى علماء ديوبند ، و راجع أي كتاب صحيح في الأخلاق و الإحسان ، ستجد أنه هو مرجع علماء ديوبند في الإحسان و تزكية الأخلاق ،إنهم إنما يتخذون أولئک الأشخاص الذين أجمعت الأمة على جلالة قدرهم و مكانتهم العلمية ، العلملية –بدءا بالأنبياء الكرام صلى الله عليه وسلم ، و مرورا بالصحابة و التابعين ، و انتهاءا باأولياء الأمة و صلحائها –نماذج جديرة بالاتباع و التلقليد
وجملة القول : إنه ليس هناك ناحية من نواحي الدين ينحرف فيها علماء ديوبند قيد شعرة عن التفسير المتوارث للإسلام ، و عن مزاجه و ذوقه الأصيل۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔ فلو شاء أحد أن يطلع على مذهبهم فعليه بمراجعة الموثوق به لدي جمهور علماء الأمة من تفاسير القرأن ، و شروح الحديث ، و كتب الفقه الحنفي ، و العقائد و الکلام ، و الإحسان و الأخلاق ، التي تتحدث عنه –عن مذهبهم – في تفصيل ۔۔۔، “(راجع للتفصيل : علماء ديوبند عقيدة و منهجا ، ص: ۱۰ الخ، مكتبة إدارة المعارف كراتشي)، و أردفه سماحته بالحديث عن الأسباب و المبررات  الداعية لهذا التأليف  ،لحين لم تكن ثمة حاجة إلى ذلك ، ما دام علماء ديوبند حلقة متصلة و مترابطة مع حلقات جمهور علماء الأمة الأسلامية منذ أربعة عشر قرنا كما ذكره أعلاه، و الكتاب جدير بالمراجعة ، علما أنه قدتم طبعه فيما نعلم من دار القلم بدمشق أيضا۔

[3] ۔و تفاصيل سلسلة نسبنا  مذكورة في كتاب والدي –قدس سرہ-باسم ” والدي الماجد “۔

[4] ۔و أحمد الله أنه وفقني لتسجيل  ترجمة حياته بشئ من التفصیل فی کتابی ” والدی  و شیخی” (أو ” والدي الماجد  منهجا و ذوقا ) ، كما صدَر تحت إدارتي  ا لعد د الممتاز لمجلة البلاغ الأردية   لدراسة حياته ، و قد احتوى على عدة مقالات ، منها مقالة  مستفيضة لشقيقي الاكبر العلامة المفتي محمد رفيع العثماني حفظه الله تعالى، حيث  عُني فيه بدراسة جوانب مهمة من حياة والدي الماجد، كما ألقى الضوء على  تاريخ أسرتنا أبا عن جد، و قد تم طبع  هذه المقالة مفردَة كذلك(باسم :” حياة  المفتي الأعظم)

[5] ۔”آدینی” یعني  في اللغة الفارسية ” الجمعة”، و المعني المسجد الذي تقام فيه الجمعة

[6] ۔ وُلد جدي العلامة محمد ياسين رحمه الله تعالى، قبل تأسيس جامعة دارالعلوم  ديوبند ،بسنةٍ عام 1282ھ، فكان  نِدّا لدارالعلوم ديوبند، حيث كان  عمرُه يساوي عمرها،  و قد حكا لي  والدي الماجد رحمه الله تعالى  من أقوالِه مقالةً  غیر مرۃ ، مُفادها : ” أنا شهدنا  في دارالعلوم ديوبند العهد الذي  كان  تسود فها الجامعةَ الولاية   ،و تهيمِن عليها صبغة الربانية ، رئاسة ً و أساتذةً و طلابا و عمّالا ، حيث كان الكل  ، أخذا من رئیس الجامعة إلى أدنى حارس على الباب  وليا من أولياء الله ، حائزا علی  نسبة الولاية الربانية “، و كان سماحته من أخص خلفاء قطب الإرشاد العلامة الففقيه رشيد أحمد الكنكوهي رحمة الله تعالى، كما كان من زملاء حكيم الأمة العلامة محمد أشرف على التهانوي في الدرس، و ظلّ مدرّسا للغة الفارسية  و فن ّ الحساب طوالَ حياته في جامعة دارالعلوم /دیوبند،و تخرّجت عليه عدة أجيال أبا عن جد، و قد   كتب َ والدي الماجد رحمه الله تعالى سيرته في كتابه : ” والدي الماجد ” ببسطٍ و تفصيل ۔

[7] ينبغي أن يوضع في الاعتبار هنا  أن الغرض الحقيقي من لمبايعة و إن كا ن يتأتي بعد البلوغ، و لكن  يمكن نيل بركة      الانخراط في سلك سلسلة من سلاسل التزكية و الإحسان  في  سن الطفولة كذلك ،

[8] : وقد سردت ترجمة حياته  بشئ من التفصیل في مقال عزاء لي بعد وفاته ، و ضم المقال إلى  الكتاب المطبوع : ” نقوش فتگاں “(” نقوش الراحلين” )۔

[9] : و قد سبق أن  کتبت بعد وفاتها مقالا حولها بشيء من البسط و التفصيل   في مجلة ” البلاغ ” الأردية ، و قد  تم طبعه في كتابي ” نقوش رفتگاں”[ مآثر الراحلین].