الثلاثاء, يوليو 25, 2017
ar

الطلاق فی الدینات والمجتمعات الکافرة

الطلاق فی الدیانات والمجتمعات الکافرة

بسم الله الرحمٰن الرحیم

لا یخفیٰ أن أحکام النکاح والطلاق تلعب دورا هاما فی فی بناء المجتمع وتهذیب حیاة الإنسان، ولذلك نریٰ أن الإسلام قد وضع لهما أحکاما تفصیلیة مستوعیا کل ما یتوقع فی حیاة المتزوجین وقبل أن ما راعاه الإسلام فی هذه الأحکام من المصالح، یحسن بنا أن نذکر بعض أحکام الطلاق فی الدیانات والملل والمجتمعات الأخریٰ، لأن الشئی إنما یعرف بأضداده، واللہ الموفق والمعین.
الطلاق فی دین الیهود :
کان الطلاق فی شریعة سیدنا موسیٰ  حسبما یدیعه الیهود، مباحا للزوج وحده ولم یکن یقع إلا بکتابته، ولم یکن یحل للمطلق أن ینکح مطلقته بعد ما نکحت زوجا آخر. ونجد هذه الأحکام مفصلة فی سفر التثنیة من الکتاب المقدس، حیث یقول : «إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها. فإن لم تجس نعمة فی عینیه لأنه وجد فیها عیب شئی، وکتب لها کتاب طلاق ودفعه إلیٰ یدها، وأطلقها من بیته، ومتیٰ خرجت من بیته ذهبت وصارت لرجل آخر، فإن أبغضها الرجل الأخیر وکتب لها کتاب الطلاق ودفعه إلیٰ یدها وأطلقها من بیته أو إذا مات الرجل الأخیر الذی اتخذها له زوجة لا یقدر زوجها الأول الذی طلقها أن یعود یأخذها لتصیر له زوجة بعد أن تنجست، لأن ذلك رجس لدی الرب» کذا فی سفر التثنیة (24: 1 ـ 4) ونجد مثل ذلك الحکم فی سفر أرمیا علیه السلام (3: 1) .
فکان عند الزوج فی دین الیهود حریة تامة لأن یطلق زوجته متیٰ شاء وکیف شاء، وبذلك تأثرت القوانین الجمهوریة، ولکنها لم تزل تقید هذه الحریة المطلقة بشروط، حتیٰ أصبح الطلاق شاذا فی القرن عشر المیلادی.
وأما المرأة فلم یکن حتیٰ الطلاق، غیر أن “مشنا” وبعض الکتب القدیمة للیهود تسمح لها أن تطالب زوجها بالطلاق فی أحوال مخصوصة، مثل أن یکون الزوج عنینا، أو مبتلیٰ بالجذام، أو ظالما لا یحتمل وغیر ذلك من الأسباب (راجع دائرة البریطانیة 2: 453 مادة الطلاق)
الطلاق فی دین النصاریٰ :
أما النصرانیة فلا تأذن فی أصل دینها أحد الزوجین أن یطلق الآخر، وإن هذا الحکم موجود فی الأناجیل المروجة الیوم، فنقرأ فی الأصحاح التاسع عشر من إنجیل متی : «وجاء إلیه (یعنی إلیٰ المسیح علیه السلام) الفریسیون (یعنی علماء الیهود) لیجربوه قائلین له : هل یحل لرجل أن یطلق امرأته لکل سبب ؟ فأجاب وقال لهم : أما قرأتم أن الذی خلق من البدء خلقهما ذکرا وأنثی، وقال : من أجل هذا یترك الرجل أباه وأمه ویلتصق بامرأته ویکون الثنان جسدا واحدا، إذا لیسا بعد اثنین بل جسد واحد، فالذی جمعه اللہ لا یفرقه إنسان، قالوا له : فلما أوصی موسی أن یعطی کتاب طلاق فتطلق ؟ قال لهم : إن موسیٰ من أجل قساوة قلوبکم أذن لکم أن تطلقوا نسائکم، ولکن من البدء لم یکن هکذا، وأقول لکم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخریٰ یزنی، والذی یتزوج بمطلقة یزنی، قال له تلمیذه : إن کان هکذا أمر الرجل مع المرأة فلا یوافق أن یتزوج، فقال لهم : لیس الجمیع یقبلون هذا الکلام بل الذین أعطی لهم، ویوجد خصیان ولدوا هکذا من بطون أمهاتهم، ویوجد خصیان خصاهم الناس، ویوجد خصیان خصوا أنفسهم لأجل ملکوت السماوات، من استطاع أن یقبل فلیقبل» راجع إنجیل متی (19 : 3ـ 12).
ویحکی إنجیل مرقس (10: 11ـ12) عن المسیح علیه السلام أنه قال : «من طلق امرأته وتزوج بأخریٰ یزنی علیها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزنی» ویحکی إنجیل لوقا (16 : 18) عنہ علیه السلام : “ کل من یطلق امرأته ویتزوج بأخریٰ یزنی، وکل من یتزوج بطلقة من رجل یزنی”[۱]
فهذه النصوص الإنجیلیة تحرم الطلاق قطعا علیٰ کل واحد من الزوجین، وأما ما سبق فی نص إنجیل متی : “ من طلق امراته إلا بسبب الزنا الخ” قد أول قدماء النصاریٰ هذا الاستثناء بأن تکون المرأة فاحشة قبل الزواج، ولا یعلم الزوج ذلك إلا بعد العقد، فحینئذ یجوز له أن ینقض ذلك النکاح، فالزنیٰ عندهم لی سببا للطلاق أو الفسخ، وإنما هو سبب لإبطال النکاح منذ أول یوم، ولا تزال الکنائس الکاثولیکیة علیٰ هذا الموقف إلیٰ یومنا هذا کما هو مصرح فی دائرة المعارف البریطانیة.
وبالجملة، فکان الطلاق فی اصل دین النصاریٰ شجرا ممنوعا لا یطمع فیه، مهما کانت الخلافات بین الزوجین شدیدة عنیفة، ولما شق علیهم هذا الحکم ورأوا أن المنافرة بین الزوجین ربما تصل إلیٰ حد لا یمکن فیه حیاة أحدهما مع الآخر، اتخذوا قانون التفریق الجسمانی، وتعریفه عندهم : « إعفاء الزوجین من واجبات الزوجیة والمبیت فی مسکن واحد بقرار قضائی مع بقاء رباط الزوجیة قائما » وهذا التفریق إنما یبیح للمرأة أن تأخذ لها مسکنا آخر، وأن تأخذ من زوجها المهر وأملاکها الخاصة، ولکنه لا یجوز لأحدهما أن یعقد نکاحا جدیدا، لأن رباط الزوجیة قائمة، ویجب علیٰ الزوجة أن لا تخؤن زوجها فی عرضه، والعقاب هو هو کما لو کانت الزوجیة متصلة، وأما الزوج فلو عاشر غیر زوجته فی بیته فلا عقب علیه، وکل ذلك مصرح فی قانون الکنائسی، راجع کتاب « المقارنات التشریعیة»( 1: 209ـ211 بند 190) تألیف السید عبد اللہ علی حسین طبع قاهرة سنة 1366ه وهذا القانون لا یزال مستمرا فی بعض البلاد الکاثولیکیة المتشددة حتیٰ الیوم مثل إیطالیة وأسبانیا.
وظاهر أن هذا القانون القاسی لم یجد الزوجین نفعا غیر جلب الشقاء والتعاسة فی الحیاة کلها، فحینئذ أذنوا للزوجین بأن یرجعا إلیٰ محکمة الکنیسة فی الحصول علیٰ الطلاق بأسباب مخصوصة، مثل أن یکون الزوج عنینا، أو الزوجة زانیة، أو یکون أحدهما یکفر بالنصرانیة، ولکن لم یکن خیار الطلاق إلیٰ الزوجین بنفسهما، بل کان یجب علیهما أن یرجعا إلیٰ محکمة الکنیسة، فتصدر حکم الطلاق بعد تحقیق هذه الأسباب.
واستمر هذا الحکم إلیٰ سنة 1857 م، فلم یکن خیار الطلاق الشرعی عندهم إلا بید الکنیسة، ثم بعد تلك السنة حول هذا الخیار إلیٰ الحاکم المدنیة العامة فی انکلترا ووسع نطاق أسباب الطلاق، وأبیح لکل من الزوجین أن یطالب المحکمة بالطلاق لمجرد کراهیته للآخر، حتیٰ أصبح الطلاق الیوم عندهم لعبا یتلاعب به الزوجان کیفما شاءا، فیطلق هذا حینا، وتلك حینا آخر، وصار عقد النکاح یقبل النقض لأسباب تافهة من جانب کل من الزوجین، فانظر إلیٰ هذا الإفراط وذاك التفریط، والحمد لله الذی جعلنا من أمة وسطا.
الطلاق فی دین الهنود :
وأما الهنود فالطلاق فی أصل مذهبهم ممنوع مطلقا، حتیٰ لو ارتکبت المرأة الزنیٰ فإنها تستوجب الإخراج من فرقتها الدینیة، ولکن الطلاق لا سبیل إلیه، ثم إن الهنود لما شعروا فی هذا الحکم بالضیق، أجاز بعض فرقهم أن یطلب الزوج الطلاق من علماء دینهم، ففی جنوب الهند الیوم تحکم أکثر فرق الهنود بالطلاق، وفی شمالها لا یحکم به إلا بعض الفرق الدنیئة، والفرق فی شریفة تستمر حتیٰ الیوم بحکم حرمة الطلاق، کذا فی دائرة المعارف البریطانیة مادة “DIVORCE” طبع 1950 م ص : 453 ج : 7 .
الطلاق فی الشریعة الإسلامیة :
وأما الشریعة الإسلامیة فقد سلکت فی امر الطلاق مسلکا عادلا منذ أول یومها، فإنها لم تحرمه مطلقا ولم تفتح مصراعیه مطلقا، وإنما قررت أحکاما لا تفضی إلیٰ الإکثار من الطلاق، ولا إلیٰ ضیق الزوجین.
قال الشیخ ولی اللہ الدهلوی  : « اعلم أن فی الإکثار من الطلاق وجریان الرسم بعدم المبالاة به مفاسد کثیرة، وذلك أن ناسا ینقادون لشهوة الفرج ولا یقصدون إقامة تدبیر المنزل ولا التعاون فی الارتفاقات ولا تحصین الفرج، وإنما مطمح أبصارهم التلذذ بالنساء وذوق لذة کل امرأة، فیهیجهم ذلك إلیٰ الطلاق والنکاح، ولافرق بینهم وبین الزناة من جهة ما یرجع إلیٰ نفوسهم، وإن تمیزوا عنهم بإقامة سنة النکاح والمواقة لسیاسة المدنیة. وهو قوله ﷺ “ لعن اللہ الذواقین والذواقات[۲]” وأیضا فی جریان الرسم بذلك إهمال لتوطین النفس علیٰ المعاونة الدائمة أو شبه الدائمة، وعسیٰ إن فتح هذا الباب أن یضیق صدره أو صدرها فی شیئ من محقرات الأمور فیندفعان إلیٰ الفراق، وأین ذلك من احتمال أعباء الصحبة والإجماع علیٰ إدامة هذا النظم؟ وأیضا فإن اعتیادهن بذلك وعدم مبالاة الناس به وعدم حزنهم علیه یفتح باب الوقاحة، وأن لا یجعل کل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه، وأن تخون کل واحد الآخر یمهد لنفسه إن وقع الافتراق، وفی ذلك ما لا یخفیٰ» کذا فی حجة اللہ البالغة 2: 138.
قلت ولأجل هذه المصالح سدت الشریعة باب المسارعة إلیٰ الطلاق باحکام آتیة :
1. سنت للزوج أولاً أن ینظر إلیٰ مخطوبته قبل النکاح، حتیٰ یکون العقد علیٰ وجه البصیرة، ولا یقع لفراق بمجرد کراهیة صورتها.
2. أمرت الزوج أن لا یقصر یقصر نظره علیٰ ما یفرط من زوجته من خطأ، بل یجب علیه أن ینظر إلیٰ ما یستحسن منها، ویصبر علیٰ اذاها لأجل محاسنها، قال تعالیٰ :  فإن کرهتموهن فعسیٰ أن تکرهوا شیئا ویجعل اللہ فیه خیرا کثیرا، وقال علیه السلام : “ لا یفرك مؤمن مؤمنة، إن کره منها خلقا رضی منها آخر” کما مر فی باب الوصیة بالنساء.
3. أمرت الزوج إذا رآی فی زوجته ما لا یتحمل، أن لا یبادر إلیٰ الطلاق فی أول مرة، وإنما یجتهد فی إصلاحها ما أمکن، قال اللہ تعالیٰ :  واللاتی تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فی المضاجع واضربوهن فإن أطعنکم فلا تبغوا علیهن سبیلا
4. ثم إن کانت الخلافات بین الزوجین شدیدة لا تنقضی بهذه المدارج الثلاثة، أمرت الشریعة الإسلامیة أقاربهما أن یتدخلوا بینهما فتعتدل الأحوال، قال تعالیٰ : وإن خفتم شقاق بینهما فابعثوا حکما من أهله وحکما من اهلها إن یریدا إصلاحا یوفق اللہ بینهما.
5. ثم إن لم تثمر جهود هذین الحکمین ولم تزل الخلافات قائمة، فحینئذ أباحت الشریعة الإسلامیة الطلاق للزوج قائلة له “إن أبغض الحلال إلیٰ اللہ الطلاق” أخرجه أبو داود.
6. ثم قد حظرت الشریعة الإسلامیة أن یطلق الرجل امرأته وهی حائض، ومن مصالح هذا الحکم أن لا یکون الطلاق ولید کراهیة وقتیة، کما صرح الشیخ ولی اللہ الدهلوی  فی حجة اللہ البالغة (2: 139) .
7. ثم استحبت الشریعة الإسلامیة للمطلق أن یطلق امرأته مرة واحدة فقط، ثم یترکها حتیٰ تنقضی عدتها، وهو الطلاق الأحسن فی اصطلاح الفقهاء؛ وذلك لیکون بید الزوج خیار الرجوع أثناء العدة، ولیمکن تجدید وصلة النکاح بعد انقضاء العدة إذا اعتدلت الخلافات بینهما.
8. ولو کان الزوج یرید أن لا تعود إلیه المرأة أبدا، فإن الشریعة الإسلامیة حظرت علیه التلفظ بالطلاق الثلاثبکلمة واحدة، وإنما شرعت له طلاق السنة، وذلك أن یطلقها فی کل طهر طلقة واحدة، حتیٰ تم الثلاث، لئلا تخرج من یدیها بغتة، بل یبقیٰ بیده الخیار مدة شهرین لیترویٰ فی الأمر ویشاهد نتائج طلاقه، فإن عادت المرأة إلیٰ الصلاح راجعها قبل أن تتم الطلقات الثلثٰة.
9. ثم قد قصرت الشریعة الإسلامیة حق الطلاق علیٰ الزوج، ولم یجعله بید المرأة فی الظروف العادیة، لأن المرأة من طبیعتها الاستعجال فی الأمور، فلو کان خیار الطلاق بیدها لکانت تقع الفرقة لأسباب بسیطة وأغراض تافهة.
10. ولکنها لم تسدد باب الفرقة من جهة المرأة بالکلیة، وإنما أباحت لها ذلك فی ظروف خاصة، فیمکن لها مثلا أن تعقد النکاح بشرط تفویض الطلاق إلیها، ولو لم تشترط ذلك فی العقد فلها أن تختلع من زوجها برضاه، وإن لم یکن ذلك فلها أن تطلب من القاضی فسخ النکاح إذا کان زوجها عنینا أو مجنونا أو متعنتا أو مفقودا.
فقارن بین هذه الأحکام الحکیمة وبین ما سبق من أحکام الطلاق فی الدیانات الکافرة، تجد الخیر والعدل کله فی هذه الأمة الوسطة التی لا إفراط فیها ولا تفریط، ولله الحمد.


[۱]هذه العبارات کلها مأخوذة من الترجمة العربیة للکتاب المقدس التی نشرتها جمعیات اکتاب المقدس المتحدة فی سنة 1956 م سن جامعة کیمبرج بانکلترا.

[۲]قال العبد الضعیف عفااللہ عنہ: لم أجده بهذا الفظ، إنما هو عند البزار والطبرانی عن أبی موسیٰ أن النبی ﷺ قال : “ لا تطلق النساء إلا من ریبة، إن اللہ تبارك وتعالیٰ لا یحب الذواقین والذواقات” وأحد أسانید البزار فیه عمران القطان ، وثقه أحمد وابن حبان وضعفه یحیٰ بن سعید وغیره، وعند الطبرانی عن عبادة بن الصامت قال : “ إن اللہ عز وجل لا یحب الذواقین ولا الذواقات” وفیه راو لم یسم. راجع مجمع الزوائد (4-335) باب فیمن یکثر الطلاق وکشف الأستار عن زوائد البزار (2-192 رقم 1497)

شاهد أيضاً

حکم الصید بالبندقة والجلاهق

حکم الصید بالبندقة والجلاهق بسم الله الرحمٰن الرحیم وعلیٰ هذا الأصل ذهب أکثر الفقهاء إلیٰ ...